السوق السعودية وأزمة القطاع المالي الأمريكي

[email protected]

شهد الأسبوع الماضي أحداثا وتطورات سيسجلها تاريخ الأسواق المالية العالمية لتضمنها أحداث غير مسبوقة على صعيد الأزمات المالية العالمية، ولتأثيرها على خريطة القطاع المالي العالمي ومستقبل نماذج الأعمال والاستثمار والمخاطرة التي تتعامل بها المؤسسات المالية حالياً. فبعد بضعة أيام من تأميم واشنطن لعملاقي ضمان الرهون العقارية "فريدي ماك" و"فاني ماي"، بدأ رابع أكبر بنك استثماري أمريكي وهو "ليمان براذرز" بإشهار الإفلاس أو إجراءات "الفصل الحادي عشر" نتيجة لاستمراره تحقيق خسائر ناتجة من تداعيات أزمة الرهن العقاري واستمرار تراجع قيم الأدوات المالية والاستثمارية التي تحويها محفظته. فمن نافلة القول، إن إفلاس بنك "ليمان براذرز" الاستثماري يحمل عدة دلالات، ويشير دون أدنى شك إلى عمق وقسوة أزمة الرهن العقاري التي مازلنا بعيدين عن نهايتها, كما تشير الأحداث والمؤشرات، حيث إن البنك الذي أنشئ عام 1850م، أي قبل نحو 157 عاماً، لا يشكل أحد الرموز الأكثر شهرة في النظام المصرفي العالمي وحسب، بل يشكل أحد الرموز المرتبطة بالنظام الرأسمالي عموماً.
وفي الوقت الذي أعلن فيه "ليمان براذرز" إفلاسه، تقدم بنك باركليز، الذي يعتبر ثالث أكبر بنك بريطاني، بطلب شراء عمليات "ليمان" في أمريكا الشمالية بنحو 1.75 مليار دولار، بينما تمكن "بنك أوف أمريكا" من الاستحواذ على أحد البنوك الاستثمارية الأربعة الكبرى في أمريكا وهو بنك "ميريل لينش" بصفقة بلغت قيمتها 50 مليار دولار. ولم تقتصر تبعات الأزمة على البنوك والمؤسسات المصرفية، حيث قامت الحكومة الأمريكية بالاستحواذ على 80 في المائة من المجموعة الأمريكية العالمية (AIG) التي تعتبر من الشركات الأساسية في قطاع الخدمات المالية وأكبر شركة تأمين من حيث الأصول في أمريكا عن طريق منح قرض بمبلغ 85 مليار دولار.
وقد انعكس تأثير هذه الهزات والزلازل المالية سلبياً على مؤشرات الأسواق الأمريكية والقطاع المالي على وجه الخصوص، وانتقلت تبعات هذه الأزمة إلى قطاعات الاقتصاد الحقيقي والأسواق العالمية من طوكيو إلى أوروبا مروراً بأسواق الشرق الأوسط، التي تجاوبت مع الأزمة بالانخفاض بمستويات كبيرة طالت معظم الأسواق والقطاعات. ومن الطبيعي انتقال تبعات الأزمة لباقي المؤسسات المصرفية الأمريكية والقطاع المالي في الأسواق الآسيوية والأوربية وأسواق المال عموماً في هذه الدول، وذلك لانكشاف البنوك وارتباط عملياتها، عمليات الإقراض بين البنوك، والاستثمارات مع بعضها البعض من ناحية، ولروابط الاقتصاد الحقيقي التجارية بين الاقتصادات والشركات العاملة في هذه الأسواق. فقنوات الارتباط التي تقود إلى انتقال الأزمات المالية والتذبذب تقليدياً قد تكون نتيجة لروابط مالية تنجم عن انكشاف القطاعات المالية والمصرفية في الاقتصادات المختلفة على بعضها البعض أو نتيجة لروابط حقيقية مدفوعة بارتباط القطاعات الحقيقية تجارياً من ناحية الاعتماد المتبادل على الأسواق والطلب أم عن طريق اعتماد مدخلات الإنتاج على مخرجات أو منتجات وسيطة من القطاعات الحقيقية للاقتصادات الأخرى.
وبتناول ردة فعل السوق السعودية، التي خسرت نحو 6.5 في المائة خلال يوم واحد في الأسبوع الماضي، فإن الانكشاف المالي للقطاع المالي السعودي على نظيره الأمريكي والأوروبي المثقل بخسائر أزمة الرهن العقاري ما زال محدوداً كما يتضح من عدم تأثر البنوك السعودية من أزمة الرهن العقاري منذ بدايتها في صيف 2007م. وهنا يجب التأكيد بأن الارتباط بين البنوك والمؤسسات المالية السعودية مع نظيرتها الغربية كان وما زال قائماً في مختلف العمليات المصرفية، إلا أن ما يبدو لحد الآن هو عدم انكشاف البنوك السعودية على منتجات واستثمارات الرهن العقاري بطريقة تربطها مباشرة مع البنوك الغربية.
أما قناة الارتباط الأخرى ممثلةً في الانكشاف التجاري وانكشاف الاقتصاد الحقيقي، فإن خط الارتباط الأول قد يكون التأثير السلبي الذي قد يطال الاقتصاد الكلي والشركات المدرجة نتيجة لتراجع النمو الاقتصادي العالمي جراء الأزمات المالية التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي وتغير خريطة سوق الائتمان. فالصادرات النفطية وأسعار النفط ستتأثر من أي تراجع للنمو الاقتصادي العالمي، إلا أن أي تراجع لن يكون له تأثير سلبي كبير على مؤشرات النمو الاقتصادية الكلية للمملكة بسبب التوقعات المتفائلة بأن تحافظ أسعار النفط على مستويات تفوق 80 دولاراً لخام "برنت" حتى مع أكثر سيناريوهات النمو الاقتصادي العالمي تشاؤماً.
أما بالنسبة للشركات المدرجة في السوق المالية السعودية فإن قناة الانكشاف التجاري مع أزمة القطاع المالي الأمريكي قد تكون من خلال تراجع أداء الشركات التي تعتمد على التصدير إلى الأسواق العالمية، والتي يعتمد نموها على الأسواق الأمريكية والأوروبية، من خلال تأثر استثماراتها في منتجات مالية وأسواق تأثرت بأزمة الرهن العقاري، أو من خلال ارتفاع تكاليف الاقتراض نظراً لشح السيولة والانقباض الائتماني.
ختاماً، تبعاً لبعض المؤشرات والتصريحات الرسمية التي تنفي تأثير أزمة الرهن العقاري الأمريكية على الشركات والبنوك السعودية، بجانب تأكيدات إدارات الشركات على عدم الانكشاف على هذه المخاطر، فإن التفسير اليتيم الذي يبقى لانخفاض السوق السعودية وارتفاع معدلات التذبذب التي انتقلت من السوق الأمريكية للسوق السعودية، كردة فعل لأزمة القطاع البنكي الأمريكي، هو أن الارتباط سيكولوجي ونفسي وانتقال سلوكي بالدرجة الأولى قبل أن يكون مبنياً على روابط مالية أو تجارية. فلو كان الانخفاض الكبير نتيجة لروابط مالية لكان أكبر المتأثرين وبقوة هو القطاع المصرفي السعودي، أما إذا كان الانخفاض نتيجة لروابط تجارية فإن الشركات التي تعتمد على الطلب المحلي ومشاريع الإنفاق الحكومي كالشركات العقارية يجب أن لا تتأثر بالانخفاض بقوة كغيرها من الشركات. ولكن، ما حدث خلال الأسبوع الماضي كان انخفاضاً منتظماً طال جميع الشركات دون تمييز، ما يدل على أن ارتباط السوق السعودية مع الأسواق الدولية في الأزمة الحالية هو ارتباط وانتقال سيكولوجي للأزمة يؤثر في سلوكيات المتعاملين وليس على القوائم المالية بطريقة مباشرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي