الآن .. إنفاق الفوائض المالية محلياً
على الرغم من ارتفاع موجة التشاؤم بخصوص الأداء الاقتصادي العالمي، وبما يعتبر الأداء الأسوأ خلال السنوات الخمس الماضية، أعلنت الصين الأسبوع الماضي أن معدل النمو الاقتصادي بلغ 9 في المائة خلال الربع الثالث من العام الحالي 2008. هذا النمو الأعلى عالمياً، كان بمثابة خبر سيئ للأوساط الاقتصادية العالمية لأن إحدى الأطروحات التي تراجعت حديثاً تقول بانفصام Decoupling نمو الأسواق الناشئة كالصين والهند والبرازيل وروسيا (بريكس) عن نمو الاقتصادات الصناعية، بما يسمح بالمحافظة على معدلات نمو الاقتصاد العالمي. فعلى الرغم من الاتفاق على ارتباط النمو الاقتصادي العالمي بالعلاقة بين دول (بريكس) والاقتصادات الصناعية كونه أمرا واقعا ومؤثرا في النمو العالمي في المجمل، إلا أن الخلاف هو في قدرة الاقتصادات الناشئة على موازنة أي تراجع في الاقتصاد العالمي ينتج عن تراجع نمو اقتصادات الدول الصناعية. بمعنى آخر، تشير أطروحة انفصام النمو إلى أن محركات النمو الداخلية ومحدداته في الدول الناشئة قد بلغت مرحلة من النضج والاعتماد على الأسواق المحلية، بما يقلل من الآثار السلبية لتراجع الطلب والانكماش الاقتصادي في الدول الصناعية الغربية وأمريكا.
وتبعاً للقراءات الحالية، فإن الاقتصادات الناشئة سريعة النمو بما فيها دول (بريكس) ودول مجلس التعاون الخليجي بدأت في التأثر بالأزمة المالية العالمية تبعاً لعدد من المؤشرات المالية والحقيقية نتيجة لارتباطات مباشرة حيناً وغير مباشرة أحياناً أخرى، مدفوعة في جانبها الحقيقي بتراجع الطلب على سلعها ومنتجاتها التصديرية بجانب استثماراتها في الأسواق الغربية والأمريكية. فعلى صعيد مؤشرات النمو الاقتصادي، فإن معدلات نمو الدول الناشئة سريعة النمو ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على صافي الصادرات وإجمالي الاستثمار الخاص المرتبط بالأسواق وحجم الاستثمار الغربي والأمريكي تحديداً لتحريك النمو الاقتصادي ودفعه إلى معدلات نمو أعلى. كما أن محركات النمو الداخلي المدفوعة بالاستهلاك والإنفاق الحكومي والاستثمار العام لم تصل إلى مرحلة متقدمة تؤهل هذه الاقتصادات إلى النمو بمعزل عن محركات النمو المرتبطة بالقطاع الخارجي. وفي الوقت ذاته، فإن معدلات النمو التي شهدتها الاقتصادات الناشئة سريعة النمو والتي اعتمدت على القطاع الخارجي مكنت هذه الدول من مراكمة وفورات مالية من العملات الأجنبية لارتفاع حجم المتحصلات الحكومية سواء من الصادرات والاستثمار أم من تصدير النفط. هذه الفوائض المالية تم توظيفها بشكل كبير في أدوات الدخل الثابت من سندات وأوراق مالية أمريكية وغربية منخفضة المخاطرة واستثمار بعضها الآخر من خلال الصناديق السيادية التابعة لهذه الدول في صناديق ومؤسسات مالية تراجعت قيمها بشكل كبير. فعلى سبيل المثال، كانت آخر سلسلة خسائر الصندوق السيادي الصيني التابع لشركة الاستثمار الصينية CIC من خلال إحدى الشركات التابعة له نحو 5.4 مليار دولار خسرها في صندوق الاحتياطي الأساسي الذي يعتبر أحد الصناديق الكبيرة التي تستثمر في أسواق النقد كما أوردته "الفاينانشيال تايمز" في الأسبوع الماضي. هذا التراجع الذي طال الاستثمارات في الأسواق الغربية والأمريكية مع استمرار حالة التذبذب وعدم التأكد أدى إلى تأثير سلبي مزدوج في أداء الاقتصادات الناشئة جراء تأثر الصادرات من جهة وعوائد الاستثمارات من جهة أخرى مع ضبابية أداء الاقتصاد العالمي في المستقبل المنظور.
إذن، مع استمرار تذبذب وتراجع أداء الاقتصاد العالمي وبداية تأثر الاقتصادات الناشئة سريعة النمو بهذا التراجع مع قيام الحاجة إلى توظيف الفوائض المالية، بدأت دول الفوائض باستثمار عوائدها محلياً من خلال قناتين رئيسيتين هما الاستثمار العام والإنفاق الحكومي. فمن ناحية الإنفاق الحكومي على سبيل المثال، بدأت المملكة في إنشاء المدن الاقتصادية والشروع بمشاريع إنشاء وصيانة للبنية التحتية تحفز النمو الاقتصادي المحلي وتسهل الاستثمار المحلي والأجنبي مستقبلاً. وكمثال يتعلق بالاستثمار العام، كانت المملكة سباقة بإنشاء شركة سنابل السعودية برأسمال يبلغ نحو 5.3 مليار دولار تهدف إلى القيام بالاستثمار في أية أصول رأسمالية أو حقوق عينية والاستثمار في الأسهم والسندات والتعامل في الأوراق المالية بمختلف أنواعها والاستثمار العقاري والاستثمار في العملات الأجنبية والمعادن والسلع وإدارة محافظ الاستثمار لحساب الغير. كان هذا التركيز على دور الاقتصاد المحلي ونموه من قبل المملكة في فترة ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الثلاث السابقة وفي منتصف تموز (يوليو) الماضي في حالة "سنابل"، أي أن الخطوات أتت استباقية لأي تباطؤ محتمل جراء تراجع مؤشرات الاقتصاد العالمي. من جانب آخر، يعضد توجه سياسات الاقتصادات الناشئة إلى التحول للداخل قيام الحكومة الصينية في الأسبوع الماضي بضخ نحو 19 مليار دولار في بنك الصين الزراعي لإعادة هيكلته وإنعاشه عن طريق تملك وزارة المالية الصينية لنصف البنك وتملك الصندوق السيادي الصيني للنصف الآخر قبل الشروع في عملية إعادة الهيكلة وطرحه في السوق. حالة البنك الزراعي الصيني قد تكون نموذجاً بإمكان شركة سنابل دراسته، وأخذه في الحسبان عند الشروع في نشاطات الشركة في السوق المحلية كالمساهمة في صندوق التنمية العقارية السعودي وبنك التسليف والبنك الزراعي السعودي بجانب النشاطات الأخرى، خصوصاً في ظل عدم قدرة صناديق الإقراض المتخصصة على تغطية الشرائح المستهدفة من ناحية عدد المتقدمين والموارد التي يتم توفيرها لتحقيق الأهداف النهائية لهذه الصناديق.
وفي الختام، في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي، حان الوقت لتوجيه الإنفاق الحكومي والاستثمار العام للداخل بصورة أكثر كثافة وتركيزا، بحيث يتم استهداف المشاريع الإنتاجية والصناعية، التي يسهم إنشاؤها في تنمية مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني بمعزل عن تراجعات الأسواق العالمية في المدى القصير على أن تأخذ مكانها في فترات لاحقة عند بدء التشغيل للمساهمة في نمو الاقتصاد العالمي وتنويع القاعدة الإنتاجية وهيكل الاقتصاد على المدى البعيد.