الثابت والمتغير في سياسة واشنطن تجاه المنطقة
يراهن بعض المراقبين على أن سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط سياسة ثابتة وغير قابلة للتغير؛ سواء فاز في انتخابات الغد باراك أوباما أو جون ماكين. حيث يشير هؤلاء إلى أغلب الأدلة التاريخية التي أتت في مسار السياسة الخارجية الأمريكية في الحقبة اللاحقة للحرب العالمية الثانية، والتي أتت بفوارق ضئيلة في سياسة كلا الحزبين.
قد يكون هناك نوع من الصحة في بعض أجزاء هذا الطرح، خصوصاً تلك المتعلقة بالسياسة الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية؛ ولكن تعميمه على مجمل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه المنطقة يحتاج له إعادة نظر.
فالثابت في سياسة واشنطن تجاه المسألة الفلسطينية يحكمه ذلك الدور الذي تلعبه جماعة الضغط المرتبطة باللوبي الصهيوني. حيث يؤثر أيباك في توجهات كلا الحزبين، وما تأكيد كل من أوباما وماكين وإجماعهم على خصوصية العلاقات الأمريكية- الإسرائيلية إلا دليلاً على هذا الثبات. ومن الراجح أنه لن يحدث تغير حقيقي هنا إلا إذا برز دور مواز لجماعات الضغط الممثلة لمسلمي وعرب أمريكا كما أسلفت في مقالين سابقين (انظر "الاقتصادية" في 22 و29 أيلول (سبتمبر) 2008).
ولابد من الإشارة هنا إلى أن هذا الثبات لم يتم بلون واحد على طوال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. بل إنه قد تغير مع تغير طبيعة النظام الدولي، عندما تم التحول من نظام القطبين إلى نظام القطب الواحد مع مطلع تسعينيات القرن الماضي. وهو التحول نفسه الذي أدى بدوره إلى عمليات السلام التي بدأت الولايات المتحدة تدعمها – بشكل لافت - مع تغير نمط الشراكة الإستراتيجية بينها وبين إسرائيل بعد تفكك المعسكر الشرقي.
أما المتغير فيما يخص سياسة واشنطن تجاه المنطقة فهو المتعلق بالمناطق الأخرى ولاسيما؛ العراق وإيران وأفغانستان. وهذا مرتبط كذلك بطبيعة التغير التي طرأت على النظام الدولي منذ مطلع التسعينيات والتي كان الغزو العراقي للكويت في عام 1990 ونتائج ذلك الغزو بداية منطلقه التغيري. ولقد لعبت المصالح الأمريكية - في هذا التوجه - دورا أكبر من ذلك الذي لعبته مصالح جماعات الضغط ذات الارتباطات الخارجية.
كذلك لا بد من الانتباه إلى أن طبيعة هذا التغير محكومة من جهة أخرى باتصالها بعامل النفط، ولاسيما ذلك المتعلق بالحفاظ على صمام أمان تدفقه على الأسواق العالمية. ولكن على الرغم من ذلك، فإن مسألة التغير في توجه واشنطن تجاه تلك المناطق قد أخذت صفة الكر والفر في أغلب الأحيان، خصوصاً أنه قد استجد عليها عامل متمثل في العامل الأمني (المتغير) بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر).
فلا يجادل اثنان على حقيقة ذلك التحول Shift in Policy الذي حصل في طبيعة توجه وتصرف واشنطن من أفغانستان إلى العراق بعد أقل من عامين من بداية العمليات ضد كابل. وهو التغير نفسه الذي أعلن باراك أوباما بأنه سيعكسه برده على أعقابه إذا ما فاز في انتخابات الغد.