البشت والعقال
<a href="mailto:[email protected]">M_saif02@hotmail.com</a>
أعودُ ما بين فترة وأخرى لقراءة بعض كتب التاريخ الاجتماعي أو كتب السيَر التي أرّخ من خلالها كاتبوها لشيء من التغيرات والتبدلات التي حدثت في المجتمع العربي، سواء أكانت تلك التغيرات مما يمس المجتمع من النواحي الفكرية والثقافية والاجتماعية، أم مما يمس الفرد نفسه، وسواء أكانت تلك التغيرات شاملة وجذرية أم كانت تغيرات يرى البعض الآن أنها ليست ذات قيمة، وأنه لم يحدث حولها جدل ونقاش ومعارضة، لأنه لم يعايش أجواءها آنذاك.
وسأقدم للقارئ العزيز هنا وبشيء من الإيجاز، ما حدث من تغيّر على ما كان يلبسه الرجال في بعض مناطق الجزيرة العربية، خاصة ما حدث مع "العقال" و"البشت"! ليعلم القارئ أنّ العقال الذي دخل إلى البلاد قبل عقود ليحلّ مكان "العمامة" لم يجد معارضة شديدة من قبل المتدينين فحسب، بل شُنّع على لابسيه وتم نعتهم بعدد من الصفات. أما "البشت" الذي كان لبسه من مقومات الرجولة، فقد اضطر أمير الكويت عام 1930م إلى إصدار قرار أميري يُلزم الناس بخلعه! غير أنهم لم يستجيبوا إلا بالتهديد والوعيد.
إلى ماقبل عقود طويلة، كانت "العمامة" هي ما يُلبس فوق الغترة أو الشال، خاصة لدى الأعيان والوجهاء والأمراء، ولم يكن بعض سكان الجزيرة يعرفون بعدُ "العقال" الذي حلّ تدريجياً مكان العمامة، ومع نشوء حركة التدين عند "إخوان السبلة" زاد التعصب للعمامة، وأصبحت شعاراً من شعار التدين، في الوقت الذي بدأ ينتشر فيه "العقال" خاصةً لدى وجهاء وأثرياء الحواضر النجدية. ويذكر الشيخ حمد الجاسر أن نفوذ الإخوان كان قوياً في القرى النجدية القريبة من هُجرهم، فحملوا الصغار على لبس العمامة، فكان أن "تعمّم" حمد الجاسر، حيثُ أشترى له والده ستة أذرع من القماش الأبيض، تعمّم بها بعد أن شُق القماش إلى نصفين، ليصبح طول ما تعمّم به اثني عشر ذراعاً (!) . ولك أن تتصور طفلاً يحمل فوق رأسه تلك القطعة الكبيرة المكوّرة من القماش. وكان التلاميذ الصغار في الكتاتيب يُلقنون أبياتاً من الشعر تذمُ العقال الذي بدأ ينتشر على رؤوس الرجال! وتثني على "العمامة" وفضلها! والأبيات تلك هي لواعظٍ يُدعى "ابن بطي" كان يتجول على القرى مع ابنيه"موفّق" و "مسدّد" وكان يكرر الأبيات أثناء وعظه، والأبيات هي:
يا مُنكراً فضلَ "العمامةِ" إنها من هدي مَنْ قد خُصًّ بالقرآنِ
ليست كلبس الجُند في أزماننا حاشا وربي كيف يستويانِ
هذي شعارُ ذوي التُقى وذا لـ "الزكرتِ" وكلِ ذي طغيانِ (!)
والذي يقصده الشاعر في بيته الأخير أن العقال لا يلبسه إلا الزكرت، الذين هم قليلو التدين وكذلك الجُند.
ويذكر المؤرخ عبد الله الحاتم في كتابه "من هنا بدأت الكويت" أنه في عام 1930م أصدر أمير الكويت الشيخ أحمد الجابر الصباح أمراً إلى عموم الأهالي وذلك بضرورة خلع "البشت"وقد ألزمهم الأمير بتنفيذ أمره، غير أن هذا القرار قوبل من كثير من الشعب الكويتي بالانتقاد والرفض، ولما رأى أمير الكويت عدم انصياع الأهالي لقراره، هدّد بمصادرة عباءة كل رجل من على ظهره وحرقها! فخاف الناس وخرج البعض دونما عباءة، وقد استعاضوا عنها بعصا الخيزران. ويضيف المؤرخ الكويتي أن بعض المتعصبين لـ"البشت" لازموا بيوتهم ولم يخرجوا. وكان أبناء أسرة الصباح هم أول من خرج إلى الشارع الكويتي دونما عباءة يتقدمهم أمير الكويت، وبعد فترة بدأت العباءة تختفي تماماً إلا ما كان معروضاً منها في الأسواق.
وكان ثمّة أسباب اجتماعية واقتصادية دفعت أمير الكويت لإصدار هذا القرار، حسبما يذكر مؤرخ الكويت، إذ ظل الناس ينظرون إلى العباءة بشيء من التعصب، فهي لديهم من علامات الرجولة وتمامها، والرجل بدونها لا مكان له في المجتمع، وكان يُنظر إليه باحتقار واشمئزاز!
تلك أمثلة على محبة الناس وتقديسهم لما اعتادوا عليه، وكرههم لكل ما هو جديد وطارئ، حتى وإن كان في لباس الرجل، الذي لا يُقدم كثيراً ولا يؤخر! فما بالك بالتغيّرات التي تنال المرأة أو المجتمع كله؟! والحديث ذو شجون!