من سوانح الذكريات

<a href="mailto:[email protected]">alsaif@srmg.com</a>

تفضل الأخ الأستاذ معن بن حمد الجاسر، مشكوراً، فأهداني نسخة من كتابٍ ثمين، صدر أخيراً في جزأين، ضمّا ألف صفحة أو تزيد!
هذا الكتاب الثمين هو الموسوم بـ"من سوانح الذكريات" فعلى مدى أربعة عشر عاماً كان الشيخ حمد الجاسر، يمتحُ من ذاكرته العجيبة ما قيّدته من مواقف وحوادث وطرائف ومعلومات تاريخية وثقافية تراكمت في فضاء الذاكرة، فأساحها سوانحَ على صفحات "المجلة العربية". وكلُ ما نثره في سوانحه هو جزء من تاريخنا الثقافي والاجتماعي والصحافي، ولقد أمضيتُ أوقاتاً سعيدة، قارئاً متأنياً مستمتعاً بما خطّه الجاسر.
لقد تنوعت سوانح الجاسر وذكرياته وتمدّدت على أرجاء الوطن الكبير، فهناك السانحة الأولى عن مسقط الرأس "البرود" تلتها السوانح الشاردات عن الرياض، حيثُ الرحلة الأولى في ميعة الصبا، وما صاحبها من وصفٍ دقيق لمدينة الرياض في العشرينيات الميلادية. ورغم أن الرياض كانت القلب الواسع الذي احتضن أبناء الوطن في رحلاتهم نحو العلم والعمل والتجارة والاستيطان، إلا أن قلةً من أولئك وثّقوا وكتبوا عن مسيرتهم ورحلتهم من "مساقط" رؤوسهم إلى الرياض! وثمّة شوارد عن وسط نجد، حيث "بريدة" ومدرسة الصقعبي، الواقعة في سوق "جردة" والتي حفظَ فيها هذا البيت:
ليت العجائز في حبلٍ معلّقةً نحو الثريا وذاك الحبلُ ينصرمُ !!
ولعل من أجمل الشوارد وأروعها، تلك التي جادت بها الذاكرة عن حياته في عالية نجد مع البادية، وبالتحديد مع قبيلة النفعة وقصة "المطوع وجنيّة مصلح"! وغزوته مع الإخوان.
أما الحجاز، فقد كان نقطة تحول في مسيرته وفي مسيرة غيره من الطلائع المثقفة الأولى من أبناء نجد، والقارئ لسوانحه الكُثر عن الحجاز، حيثُ المعهد السعودي، وحيثُ النُخب المثقفة التي التقاها وحاورها، يلحظ هذا التحول في مسيرته الفكرية والثقافية. أما العمل في مدرسة ينبع الابتدائية، والتي تلقى فيها درساً من تلاميذه، فيبدو أنّ لهذا الموقف أثراً تالياً في مسيرته البحثية نحو تحقيق المواضع الجغرافية، وهو أنه حينما كان يشرح للطلاب بيت أبي العلاء المعري:
يهيم الليالي بعضُ ما أنا مضمرٌ ويثقلُ رضوى دون ما أنا حاملُ
قال لتلاميذه إن رضوى جبلٌ، قريب من المدينة المنورة، سهلٌ ترقاه الإبل! فصاح الطلاب قائلين: لا لا يا أستاذ .. هاهو جبل رضوى أمامك - وكانت النافذة مفتوحة - وهو كما ترى ليس قريباً من المدينة ولا تستطيع الإبل أن ترقاه!
تتمدّد سوانح الجاسر لتصل إلى الشمالي الغربي، حيث "ضباء" وحيثُ أعمال القضاء الشرعي! ثم يقفز إلى أول مكان يصله خارج السعودية، وهو "القاهرة" التي وصل إليها مبتعثاً مع زميل الرحلة "شنب الدين" وقصتهما الطريفة طيلة أيام السفر، ثم أحاديث وذكريات الشباب وروقه في قاهرة المعز، مع حمد المبارك وعبد الله عريف وعبد الله الخيال وعبد الله عبد الجبار وعبد الله الملحوق وإبراهيم السويل وآخرين. ولم تخل المنطقة الشرقية من سوانح، بدءا من الأحساء والظهران، اللتين عمل فيهما معلماً ومراقباً للتعليم ثم الدمام والقطيف، مما يصعب الوقوف معها.
يتوقف الجاسر في سوانحه إلى حين العودة إلى الرياض من الظهران، ليعمل في معهد الرياض العلمي ثم في كلية الشريعة وليقوم بدوره الرائد في إصدار أول صحيفة في المنطقة الوسطى، وليجلب أول مطبعة إلى الرياض، لتوثق "السوانح" مسيرة أربعة عقود حافلة من حياته، تلتها أربعة عقود أمضاها بين بيروت والرياض، شهدت إشهار مجلة "العرب" وإصداره العديد من مؤلفاته ومراجعاته وتحقيقاته، غير أنّ "السوانح" غابت عن رصدها وتوثيقها، فغابت صفحات من تاريخنا الثقافي والفكري!
رحم الله الشيخ حمد، الذي حمل بين جوانحه وطنه الكبير، فكتبه حباً ووفاءً. وشكر خاص للدكتور عبد الرحمن الشبيلي الذي أشرف على إعداد ومراجعة "السوانح" فخرجتْ بشكلها الأنيق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي