سؤال أعقد مما تتصور: ما الذي يعد طعاماً فائق المعالجة؟
لا يوجد دليل حقيقي على أن بيتزا معدة منزلياً أفضل من بيتزا مجمدة من السوق بنفس مكونات الأولى
بين ليلة وضحاها أصبحت الأطعمة فائقة المعالجة مفهوماً صحياً يلقى اهتماماً فائقاً، بل إنها صارت أبرز محاذير الحميات الغذائية عالمياً. ويتزايد انتشار تناول هذا الأمر في المنشورات العلمية وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما ظهر نظام ذكاء اصطناعي يساعد المستهلكين أثناء التسوق على اختيار أطعمة بحد أدنى من المعالجة. لكن بمجرد الانتقال من الفكرة المهمة والبديهية التي مفادها أن الوجبات السريعة ضارة، نجد أن مفهوم الأطعمة فائقة المعالجة يصبح مبهماً ومربكاً.
هناك مكونات غذائية بلا معالجة، وأخرى معالجة، وثالثة فائقة المعالجة. إذن، ما الذي ينبغي أن يفعله المستهلك؟
نظام "نوفا"، وهو الأكثر شيوعاً في تصنيفات الأطعمة فائقة التصنيع، يشمل كل شيء من الدونات إلى وجبات العشاء المجمدة. تشمل فئة الأطعمة غير المصنعة الخضراوات الطازجة، وتشمل مكونات الطهي أشياءً مثل السكر وزيت الطهي والدقيق. ثم هناك الأطعمة المصنعة فقط، والتي تشمل أشياء مثل الحمص المعلب والحليب المبستر واللبن الرائب العادي.
تصنيفات غير بدهية
في هذا النظام، قد يندرج عشاء مجمد مصنوع من مكونات صحية مثل السمك والبروكلي ضمن فئة الأطعمة فائقة التصنيع، لكن هذا لا ينطبق على كعكة منزلية غنية بالسكر. ولا يوجد دليل حقيقي على أن بيتزا معدةً في المنزل أفضل من أخرى مجمدة تباع في متجر وكلاهما مصنوع من المكونات ذاتها. وإن كانت المكونات هي المهمة، ألن يكون أفضل للمستهلك وجود دليل علمي يحدد المكونات الضارة؟
يأتي نظام تصنيف الأطعمة فائقة التصنيع من البرازيل، حيث أدركت شركة "نستله" آفاق سوق البلاد فأغرقتها بالأغذية المعبأة. تلت ذلك زيادة في السمنة ومرض السكري، وبرر مسؤولون تنفيذيون في صناعة الأغذية ما حدث بأنهم أشاروا إلى أن هذه الخطوة قللت من الجوع.
إن حثّ الناس على تجنب الأطعمة فائقة المعالجة تحسن كبير مقارنةً مع مجرد نصحهم بتجنب الأطعمة عالية الدهون وتناول أنواع قليلة الدسم من أطعمة مثل اللبن الرائب والمثلجات وألواح الطاقة والحبوب، وهي عادةً ما تكون غنية بالسكر.
التوافق على أخطار اتباع نظام غذائي غني بالسكر أمر نادر من في علم التغذية الذي يعج بالمماحكات. يمكن للمجتمع الطبي أن يُسهم بشكل كبير في تحسين صحة الأمريكيين من خلال مساعدتهم على تقليل استهلاكهم للسكر. ومن هنا تبرز أهمية مواصلة دراسة التهديد الأكبر الذي تُشكله الأطعمة فائقة المعالجة، سواءً كانت في الزيوت أو الإضافات أو عملية المعالجة نفسها.
كثير من الأطعمة فائقة المعالجة رائجة نظراً لطول أمد صلاحيتها ورخص ثمنها وسهولة استخدامها لمن لا يسمح وقتهم بالطهي. يمكن للعلماء المساعدة على التخفيف من بعض الأمراض المزمنة وانعدام الأمن الغذائي من خلال إيجاد طريقة لجعل الأطعمة الجاهزة التي نحبها صحيةً أكثر. كما أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث العلمي لتحديد أيّ مما تُسمى بالأطعمة فائقة المعالجة هي الأسوأ لنا.
أفضل دليل على خطورة الأطعمة فائقة المعالجة يأتي من عدة دراسات تتبعت مجموعات سكانية كبيرة، ووجدت ارتباطاً بين الاستهلاك المفرط لهذه الأطعمة وسوء الصحة، بما في ذلك زيادة الإصابة بأمراض القلب والسرطان. كما أن هذه المجموعة عادة ما تتسم بانخفاض الدخل والتدخين واتباع أنماط حياة أكثر كسلاً، لذا يجب على علماء الأوبئة محاولة الفصل بين مفاعيل كل هذه العوامل.
إحدى أكثر الدراسات تأثيراً، حصرت المشاركين في مختبر تغذية لعدة أسابيع لمراقبة كل ما تناولوه، وكانت النتائج متباينة. زادت أوزان المشاركين حين تناولوا أطعمة فائقة المعالجة وعالية السعرات الحرارية، مثل قطع الدجاج المقلية والبطاطا المقلية والمشروبات السكرية - التي تُعتبر "لذيذة جداً". وقد تراجعت أوزانهم عند تناول أطعمة أخرى فائقة المعالجة مثل البيض السائل واللبن الرائب بالنكهات المضافة وعصيدة الشوفان ولحم الديك الرومي المقدد وأطباق البوريتو مع الفاصوليا.
الخلاصة: لم تكن فئة الأطعمة فائقة المعالجة وحدها كافية للتنبؤ بالنتائج الصحية، حتى على المدى القصير.
حاولت دراسة أخرى نُشرت حديثاً استخدام مسوحات للدماغ لاختبار نظرية شائعة تقول إن الأطعمة فائقة المعالجة تُسبب الإدمان، وتُسبب انطلاق دفعة دوبامين تُشبه الكوكايين. لم يجد البحث أي ارتباط من هذا القبيل، مع أن الباحثين يؤكدون أن هذا لا ينفي إدمان الأطعمة.
كنتُ مُتشككة حيال الاعتقاد السائد بأن الأطعمة فائقة المعالجة ألذ من الأطعمة المنزلية، وهو أمر يعتمد بالطبع على مهارة الطاهي. جميع معارفي يُفضلون الطعام المعد في المنزل، ودائماً ما تُقدم الأطعمة المنزلية في ما شاركت فيه من الولائم التي يجلب فيها الحاضرون أطباقاً يتشاركونها.
أقرّ داريوش مظفريان، مدير معهد "الغذاء دواء" بجامعة تافتس، بأن الأطباق المنزلية غالباً ما تكون ألذ من المبيعة في المتاجر. لكنه قال إنها في بعض النواحي أقل إرضاءً، وقد تجعل الناس يتناولون مزيداً من الطعام ليس بدافع الاستمتاع بل بدوافع أخرى.
يبحث مظفريان في الآثار الصحية لبعض المكونات التي تظهر بانتظام في الأطعمة فائقة المعالجة، مثل المُستحلبات الاصطناعية. هذه المكونات تجعل المثلجات والمايونيز قشديةً ولكن قد يكون لها أيضاً تأثير ضار على المايكروبيوم - أي البكتيريا التي تعيش في أمعاء البشر.
أشار آخرون إلى الدهون الرخيصة المستخدمة في الأطعمة فائقة المعالجة، وخاصة زيت فول الصويا. وقد كان هذا موضوع جدل طويل بين علماء الأمراض، الذين يؤكدون على فوائد زيت فول الصويا، وبعض علماء الكيمياء الحيوية، الذين يرون أن الكميات الزائدة من هذه الزيوت تؤثر في قدرة أجسامنا على الاستفادة من أحماض "أوميجا 3" الدهنية الصحية.
يشير علماء الكيمياء الحيوية إلى الارتفاع الكبير في استخدام الزيوت الصناعية في القرن العشرين، ويتساءلون عما إذا كنا ما نزال فئران تجارب في تجربة مستمرة.
كان يقال لنا على مر سنين إن الدهون المشبعة الموجودة في كثير من الأطعمة غير المصنعة، مثل الحليب واللبن الرائب كاملي الدسم والأجبان واللحوم، تسبب أمراض القلب.
لكن كثيراً من التحليلات الحديثة للأدبيات العلمية تُشكك في هذا الارتباط. يشير مظفريان إلى دراسات جديدة تُظهر أن من يتناولون منتجات الألبان كاملة الدسم صحتهم أفضل ممن يختارون منتجات قليلة أو معدومة الدسم.
أظهرت دراسة حديثة أخرى وجود علاقة بين طول العمر واستهلاك الزيوت النباتية، وانخفاض طفيف في طول العمر مرتبط بالزبدة، لكن فقط لدى من يعانون أصلاً مشكلات صحية، وليس في حال استخدام الزبدة للطهي والخبز. وكان يصعب تحديد الاستنتاج الذي يستخلص من ذلك.
ينظر آخرون إلى عملية المعالجة بحد ذاتها. بيّن لازلو باراباسي، عالم الشبكات في جامعة نورث إيسترن، بأن معظم النباتات والحيوانات تحوي نفس النسبة من العناصر الغذائية الأساسية - الدهون والكربوهيدرات والبروتينات والفيتامينات. وفق نظريته، كلما ابتعد المنتج الغذائي عن هذه النسبة الطبيعية، كلما غدا فائق المعالجة.
باستخدام هذا المفهوم، درّب فريقه نظام ذكاء اصطناعي على فحص نسب 15 مكوناً نجدها على الملصقات التي توضع على الأطعمة، وذلك بغرض تحديد موقعها ضمن طيف الأطعمة فائقة المعالجة. قد يكون هذا مفيداً في دراسات مستقبلية، لكنه لم يُربط بعد بتأثيرات صحية محددة.
يبقى الطعام مسألة شخصية، وتتعرض آراء العلماء لارتباطات بآرائهم البيئية والأخلاقية والروحية، وخاصةً في ما يتعلق بالاختيار بين تناول لحوم غير مصنعة ومنتجات الألبان وتناول بدائل اللحوم المصنعة. من الناحية الإيجابية، تشير أدلة متعددة إلى أن معظمنا ستكون صحتهم أفضل مع تناول كميات أقل من السكر. هذه بداية جيدة. ثم سنحتاج إلى أبحاث أكثر وأفضل لنفهم ما تبقى.
خاص بـ "بلومبرغ"