حتمية مواجهة الحقيقة
ترك اختفاء العالم الشيوعي من الخريطة السياسية الدولية بتفكك الاتحاد السوفياتي ومن ثم انهيار ما كان يعرف إبان الحرب الباردة بالكتلة الشرقية إلا من بقايا مثل كوريا الشمالية وكوبا وإلى حد ما الصين, أصداء في كل أنحاء العالم. فاختفاء كتلة كانت تمثل نصف العالم بكل أيديولوجياتها وقواها السياسية والعسكرية والحزبية كان وسيظل مؤشرا مهما وبارزا. فانتهاء العالم الشيوعي من الوجود, كما حدث, لم يكن بالطبع نتيجة لحرب شنها خصمه المعسكر الغربي الرأسمالي عليه, بل تحقق بطبيعة الأشياء ووفق قواعد الحقيقة التي تفوز في نهاية الأمر, وهو ما أكد عليه الرئيس الأمريكي الأسبق في كتابه "نصر بلا حرب", حين أعاد سقوط النظام الماركسي إلى أسباب تكمن في داخله بالدرجة الأولى, وليس بسبب حرب رأسمالية يعود إليها الفضل في إسقاطه كما تصور مفكر مثل فوكومايا, حين اعتبر سقوط المعسكر الشرقي انتصارا للرأسمالية بما سماه نهاية تاريخ الصراع العالمي وقتها ثم تراجع عنه أخيرا بعد أن قادت إدارة المحافظين الجدد في واشنطن العالم لصراع عالمي مفتوح تحت اسم محاربة الإرهاب.
سقوط العالم الشيوعي كان ولايزال من الأهمية بمكان بما يجعله أعمق من مظاهر الانتصار العادي لطرف وهزيمة لطرف آخر, لأنه في واقع الأمر تعبير عن هزيمة فكر أيديولوجي خارج إطار الحقائق الإنسانية ارتكز على قهر الشعوب وسلب حرياتها وهضم حقوقها بأسماء براقة, وهو ما أدى لاحقا إلى إحداث تغيير عالمي واسع, وهو نفس ما حدث من قبل للنازية مثلا, وهو ما دفع كثيرين إلى مراجعة مواقفهم وسياساتهم التي فرضتها حقائق عصر جديد أكد هزيمة كل فكر شاذ وكل سياسة تعسفية مهما استندت إليه من قوة سلاح أو عقائد مبنية على أساطير التفوق المطلق أو تنظيمات حزبية صارمة. فهزيمة الفكر الشيوعي كدولة لم تأت من خلال معركة عسكرية بقدر ما جاءت من وصوله إلى طريق مسدود لم تنفع معه 70 سنة من السيطرة الكلية وفرض للرأي الواحد, وهو ما فهمه آخرون, مثل النظام العنصري الذي كان قائما في جنوب إفريقيا وروديسيا سابقا, حين وصل إلى قناعة أن الفكر العنصري لن يؤدي إلى نتيجة غير استمرار الصراع.
أسوق هذه المقدمة على وقع اندفاعة دولة مثل "إسرائيل" العنصرية والعدوانية والاستيطانية كما نراها اليوم في غزة وقبلها في لبنان, فهذه "الدولة" لم تع الدروس وتتعلم من التجارب بما جعلها فعلا تمثل "نظاما" خارج السياق العالمي الحالي, الذي بات يدرك أن حقوق الشعوب لا يمكن أن تهدر إلى الأبد, وأن الأفكار المبنية على مجرد أحلام وأساطير لا يمكن أن تصمد طويلا أمام حقائق التاريخ , فالسياسة الإسرائيلية المطبقة حاليا والقائمة على عنصرية استيطانية وقمعية ما هي إلا محاولة مكتوب عليها بالفشل طال الزمن أو قصر وهي تحاول القفز على حقائق التاريخ والجغرافيا. وحقائق التاريخ والجغرافيا تؤكد أن الشعوب الأصيلة وذات النفس الطويل مثل الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تندثر بسهولة, وأن محيطا عربيا بمحيط إسلامي أوسع أقدر على احتواء دولة مصنعة من تزييف الوقائع التاريخية مثل "إسرائيل" وهي تسعى بفكرها العنصري الشاذ إلى تطويع هذا المحيط المترامي عمقا وتاريخا وتراثا.
إذا كان نظام كان قائما كنظام جنوب إفريقيا العنصري وعلى النمط الإسرائيلي نفسه اليوم أدرك ضرورة التخلي عن هذا الفكر العنصري المقيت وقام بإعادة حقوق السود التي أهدرها سنوات طويلة من خلال المشاركة والاعتراف بهم هو الأسلوب الأنجح والأقدر على نزع فتيل الصراع الداخلي وحماية وجود البيض, فإن "إسرائيل" مازالت تسوسها المبادئ العنصرية وسياسة الاستيطان والعدوان ورفض حقوق الفلسطينيين, في وقت كان يجب أن يكون مثل الفكر الشاذ من مخلفات الماضي لكونه أولا يتعارض مع روح العصر, وثانيا كونه أسلوبا عقيما لن يحقق إلا مزيدا من الكوارث وازدياد أوار الصراع كما هو حادث في هذه الهجمة العدوانية على غزة.
ما جرى في لبنان وما يجري في الأراضي الفلسطينية وآخرها في غزة وارتكاب جرائم ضد الإنسانية كما حدث في بيت حانون لن يقودها إلا إلى الفناء في نهاية الأمر, فالفكر العنصري العدواني الذي تمارسه اليوم وهو فكر شاذ في عالم تغير, هو الذي أدى إلى سقوط أشباهه الماركسي والنازي والعنصري, فـ "إسرائيل" بما تمارسه من عدوانية عنصرية ستصل إلى الطريق المسدود نفسه, خصوصا وهي تواجه مقاومة لم تستطع القوة بكل همجيتها ونزعتها الإجرامية أن تضعف من إرادتها. ومثل هذا الفكر الشاذ ستقضي عليه حيوية الشعوب حين تصمد رغم المعاناة والألم, فإسرائيل لم تستطع طوال تاريخ وجودها مع تمكنها من التفوق الكامل أن تحسم الحرب لصالحها, فحتى عملية السلام العرجاء التي حاولت من خلالها تطويع الشعوب العربية بهذه الأكذوبة لم تنجح فيها, وهذه بوادر قربها من الطريق المسدود حين تفيق أخيرا على حقائق التاريخ والجغرافيا وصمود الفلسطينيين الأسطوري.
ما حدث في الولايات المتحدة في نتائج الانتخابات النصفية التي جرت أخيرا لن تتوقف آثاره على الداخل الأمريكي, فهذه الانتخابات تعتبر عودة وعي للشعب الأمريكي بعد أن خدع لست سنوات كاملة, وهي أكدت أن الفكر الشاذ لن يدوم طويلا, ولعل الشعب الإسرائيلي يدرك هذه المرة أنه يقاد من مؤمنين بهذا الفكر الشاذ نفسه ويفيق قبل فوات الأوان إلى أنه يقاد إلى محرقة جديدة, فقيادته حولت دولته إلى نموذج لدولة شر مستطير عليه قبل غيره, ففي النهاية ستواجه هذه الدولة الشاذة مصير من سبقها من شواذ التاريخ.