ترحال في صحراء الجزيرة!
أمضيتُ يوماً كاملاً متجولاً في ردهات وصالات معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي أغلق أبوابه قبل أيام. وزيارة المعرض والتجول فيه والبحث عن الكتب ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى صبرٍ وجَلَد وأناة! أو كما قال أستاذ مغربي يعمل في إحدى الجامعات الفرنسية، التقيته مصادفة في دار الكنوز الأدبية، إن المعرض يحتاج باللهجة المغربية إلى "شخص معه خاطر" !
الزحام شديد، والعائلات المصرية تفترش الحدائق، والأطفال أحالوا الممرات إلى ملاعب لكرة القدم، وتلك ميزة ينفردُ بها معرض القاهرة عن غيره، وعلى زوّار المعرض تقبل الأمر والتكيّف معه أو مقاطعته! ولا أعتقد أن المصريين سيلقون بالاً، لأن بضعة أشخاص قاطعوا المعرض بسبب الزحام وسوء التنظيم في ظل أكثر من ثمانية ملايين زائر للمعرض!
من الكتب المهمة التي اقتنيتها وأحضرتها من القاهرة، أربعة أجزاء تقع في (1932) صفحة، وهي معنونة بـ"ترحال في صحراء الجزيرة العربية" وهي المذكرات والمشاهدات التي دوّنها الرحالة الإنجليزي تشارلز داوتي، وقد تمت ترجمتها وطباعتها ضمن المشروع القومي للترجمة، المنضوي تحت رداء "الهيئة العامة للكتاب".
إن هذه المذكرات والمشاهدات تكاد تغطي معظم أرجاء شمال وغرب ووسط الجزيرة العربية، التي زارها الرحالة قبل أكثر من قرن، حيث أمضى أياماً وليالي في العلا ومدائن صالح وخيبر ثم توجه إلى حائل ثم القصيم ثم مكة المكرمة ثم عاد إلى وسط الجزيرة، وقد دوّن مشاهدات وانطباعات، تعد مصدراً مهماً لهذه البلاد عن تلك الفترة، ويكفي أنّ مدينة مثل حائل، قد احتلت أكثر من 100 صفحة من المذكرات، بل إن عنيزة تجاوز ما يخصها ويخص بعض رجالاتها كعبدالله البسام وأميرها زامل السليم 150 صفحة مما دوّنه داوتي، ورغم أن هذه المذكرات تخصُ وسط وغرب وشمال الجزيرة، إلا أنها لم تحظ، مع شديد الأسف، بالترجمة لدينا من قبل مراكز البحث المعنية بالتاريخ المحلي، لذلك جاءت ترجمة الهيئة العامة للكتاب، رغم أهميتها، مليئة بالأخطاء في ترجمة أسماء المعالم الجغرافية وأسماء بعض الأعلام والشخصيات، فكان وادي الرمة "وادي الرماح"، وسوق جردة في بريدة أصبح "جرادة" وعبدالله الخنيني تحول اسم عائلته إلى الكنيني! وغيرها كثير مما ليس هنا مجال عرضه.
كنتُ أتمنى لو أن المشروع القومي للترجمة، قد استعان بأحد الباحثين السعوديين لمراجعة مسودات الكتاب قبل طباعته، إذاً لقلت أخطاء الترجمة أو انعدمت كلياً، ولظهر الكتاب بشكلٍ غير الذي ظهر به، إذ إن القارئ سيبذل جهداً في تعديل الأخطاء الكثيرة الواردة في المذكرات، وما يقال عن مذكرات تشارلز داوتي، يقال أيضاً عن الكتب التي ترجمها المشروع القومي قبل ذلك، مثل كتاب "في قلب الجزيرة العربية" لعبدالله فلبي، الذي جاء بجزءين ثمينين، وكذلك مذكرات بلجريف، المعنونة بـ "وسط الجزيرة العربية وشرقها" والتي احتلت هي الأخرى جزءين ثمينين، طغت عليهما أخطاء الترجمة في أسماء الأعلام، كما مذكرات داوتي!
كنتُ في الفترة الماضية أبحث عن الكتب التي تؤرخ لبدايات الحركة التعليمية في المملكة، وفي سور الأزبكية في معرض القاهرة عثرتُ على مجلّد يُباع بجنيه واحد! عنوانه "التعليم في المملكة في عهد مديرية المعارف" للدكتور علي شلبي، يؤرخ للحركة التعليمية منذ بداياتها إلى ماقبل إنشاء وزارة المعارف! وفي ظني أن هذا الكتاب ليس متوافراً، فكان صيداً ثميناً. ألم يقل الدكتور المغربي إن المعرض يحتاج إلى خاطر!