مؤسسة التعليم الفني .. تطوير المهام والأهداف

[email protected]

أعلنت المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني أخيرا عن إنشاء خمسة معاهد تقنية للبنات لافتتاحها في عدة مدن, ويأتي ذلك ضمن خطة توسيع تعمل عليها في السنوات الأخيرة, وأظن أن من أهداف هذا التوسع هو السعي إلى تلبية حاجة السوق من الأيدي السعودية العاملة, وتهيئتها لتأخذ مكانا فيها سواء بإشغال المهن المختلفة في القطاع الخاص, أو دخولها فيه عبر إنشاء وتشغيل مشاريع صغيرة وأولية تعمل فيها وتديرها, وهذه مهمة ليس من الإنصاف جعل عبئها يقع على عاتق المؤسسة وحدها في سوق عمل ما زالت تعج بالعمالة الأجنبية في كل المهن ومن كل لون دون سائر الجهات المعنية الأخرى, وهو ما أدى إلى أن تواجه بتساؤل دائم عن وجود مخرجاتها في سوق العمل, وهو تساؤل ناتج من خلط كبير ما بين مهام المؤسسة الأساسية وما هو مطلوب منها مما يجب ألا تقوم به بمفردها دون تضافر جهود أخرى معها فيه, والملاحظ أن المؤسسة ذاتها توقع نفسها في هذا الخلط حين تعتقد أن مجرد التوسع في إنشاء المعاهد التدريبية سيحل إشكالية سوق العمل والأيدي السعودية العاملة غير المسؤولة عن توظيفها, فهل هذا التوسع هو الذي سيوجد مخرجاتها في سوق العمل؟ وهل المشكلة في نقص وجود الأيدي السعودية العاملة فقط أم في أشياء أخرى؟
لا بد لنا أن نعلم بداية أن المهمة الأساسية للمؤسسة هو التأهيل وليس التوظيف والتشغيل, فهذه من مسؤوليات وزارة العمل, والقضية ليست هنا على أي حال, ولكنها في صلب مهام المؤسسة التي باتت في حاجة إلى تطوير وتحديث بوضع أهداف جديدة لها تتوافق مع متطلبات المرحلة الآنية والمستقبلية معا ولفض هذا الاشتباك ما بين مهامها الأساسية وما ليس مطلوبا منها في سوق العمل, خصوصا أن المؤسسة بقدر ما اجتهدت وأنجزت على مدى سنوات عمرها, إلا أنها لم تنجح في تجاوز معوقات قللت من نتائج جهدها, وهي معوقات ناتجة من ثقافة سوق العمل السلبية القائمة على الربحية البحتة تجاه مبدأ السعودة في الأصل, وكذلك في الإبقاء على الاعتقاد بصحة تولي شأن التأهيل الفني والمهني بمعزل عن بيئته وهي سوق العمل, وهنا نسأل: هل المؤسسة مطلوب منها التوسع في إنشاء الكليات والمعاهد والمراكز التدريبية بمفردها .. أم مطلوب منها تطوير آليات مهامها بالقدر الذي يشرك السوق من خلال جذب القطاع الخاص للمشاركة في عملية تأهيل السعوديين والسعوديات لسوق العمل؟

في حقيقة الأمر أن تحميل المؤسسة فوق طاقتها وقدراتها فيما يخص سوق العمل, ويبدو أنها هي ذاتها متقبلة ذلك, فيه قدر كبير من الإجحاف عليها, ولذا سوف تبقى المؤسسة تنشئ معاهد ومراكز تدريب مع ما تكلفه من أموال طائلة ولكن دون مردود يوازيها, لأن المهم ليس التدريب بمعزل عن سوق العمل, بل الأهم هو ربط التدريب بالسوق مباشرة وعضويا حتى تتكامل العملية وتصبح منتجة, فمن المعروف عالميا أن التعليم الفني والتدريب المهني ليس من المفيد أن تتحمل مسؤوليته الدولة بمفردها, فهذا القطاع لا بد أن يشرك فيه المستفيد الأول منه وهو السوق, ولهذا فإننا نجد أن دولة صناعية كبرى مثل ألمانيا أناطت الإشراف على تعليمها الفني والتدريب المهني بالغرفة التجارية والصناعية فيها وليس بالدولة, وهذا أسلوب يتوافق معها, ولسنا مطالبين بتطبيقه لدينا, فما زلنا في حاجة إلى إشراف وعناية الدولة بالتعليم الفني والتدريب المهني لكوننا مازلنا نعاني تقبل سوق العمل السعودة بالقدر الفاعل, كما أن وجود المؤسسة سواء مستقلة أو ضمن وزارة العمل مطلب أساسي لضمان إشراف الدولة بما يتوافق مع سياساتها بسعودة سوق العمل, ولكن ذلك لن يتم ببقاء مهام المؤسسة على ما هي عليه دون تطوير وتحديث ووضع استراتيجيات جديدة تساير الأهداف المطلوبة, فمن أسباب القصور هو أن المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني تحاكي وزارة التربية والتعليم في إمساكها بالمهمة التعليمية التقليدية, مع أن الوزارة أخذت أخيرا بالتحرر منها, وأكبر مثال عليه سماحها بفتح مدارس عالمية بمناهج أجنبية والتي عليها تحفظات كثيرة على أية حال, فالمؤسسة حملت نفسها مسؤولية التعليم الفني والتدريب المهني ولم تقم بتشجيع القطاع الخاص لمشاركتها في المسؤولية, وهو ما يدعونا للقول إن على المؤسسة أن تراجع مهامها واستراتيجياتها وتطويرها لمزيد من الفاعلية, وأهم تطوير منتظر هو إشراك القطاع الخاص بمفهوم أوسع من الاستثمار المادي إلى مفهوم الاستثمار في التأهيل البشري المرتبط بسوق العمل, وهذا يتطلب منها أن تضع في خططها مشاركة قطاعات سوق العمل في إنشاء المعاهد الجديدة وتشغيل القائم منها, بل إدارتها ووضع برامجها التدريبية من واقع احتياجات سوق العمل, ولدينا مثال عليه, وإن كان في حاجة إلى تقييم, وهو معهد السيارات الياباني في مدينة جدة.
في اعتقادي المتواضع أن أهم تطوير لمهام مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني هو في أن يكون لها هدفان رئيسيان, الأول هو ما يمكن تسميته التدريب الشخصي, وهو التدريب الذي يؤهل الفرد والشاب والفتاة لممارسة مهنة لحسابه الخاص كالخياطة والسباكة والكهرباء والنجارة وتزيين النساء وغيرها من هذه المهن, وتتولى إنشاء معاهد لها وتشرف عليها بمفردها لهذا الغرض. والثاني التدريب الأوسع المتعلق بالتصنيع والتشغيل, وهذا من الصعب أن تتولاه بمعزل عن سوق العمل, بل يتطلب أن تشارك فيه مع القطاع الخاص والحكومي وذلك لسببين, الأول أن مؤسسات التصنيع والتشغيل وكذلك المؤسسات التجارية تريد عمالة تنخرط في عملية التشغيل والإنتاج مباشرة, ولا يؤمن ذلك إلا بأن تتشارك مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني مع هذه المؤسسات في برامج التدريب عبر إشراكها في تبني معاهد مثلا, والثاني أن ملاحقة التطوير المستمر بالميكنة لا يمكن لمؤسسة التعليم الفني مسايرته لتكلفته الكبيرة وهو ما جعل كثيرا من برامجها ومناهجها التدريبية تتأخر عن تطور السوق.
خلاص القول, إن تحقيق هدف السعودة من ناحية, وتأهيل شبابنا وشاباتنا ليكونوا منتجين وعاملين في سوق العمل من ناحية أخرى, منوطان بوضع استراتيجية تدريب وتأهيل مرتبطة بسوق العمل وبمشاركة فاعلة منها, أما غير ذلك فسوف نضيع الوقت ونهدر الأموال فيما لا طائل منه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي