ثلاثينية "كامب ديفيد"
مرت الشهر الماضي الذكرى الـ 30 لعقد أول وأهم اتفاقية سلام بين دولة عربية والعدو الصهيوني بعد عقود من صراع طويل ومرير تخللته حروب طاحنة، وجاء مرورها بقدر من الهدوء إلا من نقاشات خافتة هنا وهناك، فاتفاقية "كامب ديفيد"، والتي احتفل بها مؤيدوها باعتبارها إنجازا حققت لمصر استعادة أراضيها المحتلة في سيناء وفتحت أبواب السلام، ولطم فيها معارضوها واصمين إياها بإخراج مصر أكبر وأهم دولة عربية من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تعتبر اتفاقية مفصلية في هذا الصراع حولت مجراه تحولا حاد مازالت آثاره متواترة حتى اليوم.
بعد هذه الـ 30 عاماً والتي جرت خلالها أحداث وأحداث كثيرة وجسيمة، يمكن لنا أن نقيم تلك الاتفاقية بقدر من الموضوعية بعد زوال الانفعال وردود الانفعال العاطفية وعلى ضوء النتائج، والتقييم الأولي والعام لها وعلى خلفية الوضع العام للصراع العربي الإسرائيلي وأهم ملامحه ما يعرف بعملية السلام، تطغى عليه السلبية أكثر من الإيجابية، فالـ 30 عاماً التي مرت لم يتوصل خلالها إلى حل للصراع، بل تغيرت أدواته من السلاح والمواجهة الشاملة، إلى عمليات تفاوض وعروض سلام ومبادرات جمدت الصراع ولم تحله، بمعنى أن السلام الذي بشر به أصبح مجرد ملهاة وتفاوض يبدأ ولا ينتهي، أي لا حرب ولا سلم، ولم يمنع ذلك العدو الصهيوني من الاستمرار في استراتيجية العدوان والردع، كما حدث حين ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، واجتاح لبنان عام 1982، والعدوان على لبنان عام 2006، وعلى غزة هذا العام وعدوانه المستمر على الضفة الغربية حتى اغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والتوسع الاستيطاني خصوصا في القدس، وجميعها حدثت في ظل سلام "كامب ديفيد".
بالتأكيد لم يكن الرئيس الراحل أنور السادات - رحمه الله - عندما قرر الإقدام على فتح باب السلام مع العدو الصهيوني، يريد سلاما منفردا يحيد مصر في الصراع، بل كان يأمل بأن تقود مصر عملية سلام شامل مثلما قادت وسورية حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973 والتي أعادت توازن القوة بين العرب والعدو، ولكن ردود الفعل العربية والتي لم تكن مهيأة لتقبل خطوة كهذه، استغلها العدو لتحويل خطوة السادات لعملية سلام منفرد، قيل إنه شعر إثرها بالإحباط من التخلي العربي عنه ومن الخبث الصهيوني الذي لم يقدر له خطوته السلامية أواخر أيامه.
السؤال في الذكرى الـ 30 لاتفاقية "كامب ديفيد" هو هل كان الرئيس السادات – رحمه الله – مصيبا أم مخطئا حين قام بخطوته المبهرة والتي تصنف بأنها واحدة من أهم وأبرز الأحداث السياسية في القرن الميلادي الماضي حين قام بزيارته الشهيرة ـ والتي مازالت تثير الجدل حتى يومنا هذا ـ للقدس والتي فاقت في إثارتها هبوط أول رائد فضاء على سطح القمر، كما وصفها آنذاك الأمريكيون، والتي كانت نتيجتها الوحيدة اتفاقية "كامب ديفيد" المنفردة..؟، عندما اتخذ الرئيس السادات قراره المثير بزيارة القدس المحتلة، وبصرف النظر عن كل ما قيل ويقال عن خلفياته، من المؤكد أنه اتخذ ذلك القرار بناء على رؤية توصل إليها بأنه ليست هناك جدوى من استمرار الصراع في ظل اختلال موازين القوى مع عدو يحظى بدعم أمريكي مطلق وغربي عام وعدم جدية الموقف السوفيتي آنذاك، وأن هذا الصراع سوف يظل يستنزف العرب دون طائل، فتوصل لقناعة قادته لفكرة إقامة سلام شامل ومباشر مع العدو، ووجد أن أهم عائق أمام سلام كهذا هو الحاجز النفسي كما سماه هو، فبعد عدوان حزيران (يونيو) 1967 والذي حقق فيه العدو نصرا عسكريا لم يجن منه مكاسب سياسية خصوصا من مصر، ورد العرب بقيادة مصر وسورية بشن حرب في عام 1973 حققت إسقاطا لنظرية الأمن الإسرائيلي وتفوقه وإثباتا على أن العرب قادرون على الحرب والانتصار فيها على أسطورة الجيش الذي لا يقهر، اعتقد الرئيس السادات بأنه لا مخرج من حلقة الصراع المفرغة هذه إلا بخطوة دراماتيكية تسقط ذلك الحاجز النفسي، فجاءت زيارة القدس الشهيرة والتي أدت لاتفاقية "كامب ديفيد" على أمل إسقاط حجج العدو وتشجيعه على سلام شامل ينهي الصراع في هذه المرحلة.
نظريا كانت رؤية الرئيس السادات محقة، ولكنه عمليا أخطأ في تقديره نوايا العدو الصهيوني واستراتيجيته الاستيطانية ونزعته العدوانية، فتلك النظرة والرؤية ثبت أنها خاطئة مع خصم كالعدو الصهيوني له أطماعه وأوهامه وحتى أساطيره، وأن نزعة السيطرة والاحتلال تفوق لديه إغراءات سلام يراه خانقا وجوده، فجاءت ردة فعله على فرصة السلام بعمليات ابتزاز مستمر اشتهرت بها العقلية اليهودية، فسعى لحصر السلام منذ "كامب ديفيد" إلى المبادرة العربية في التطبيع فقط، وهذا هو الدرس الأهم الذي يجب أن نستخلصه في الذكرى الـ 30 لاتفاقية "كامب ديفيد" ولمبادرة السادات بزيارة القدس.