دروس للمربين من أوكيناوا

في نيسان من عام 1945 أي في أثناء الحرب العالمية الثانية ، هاجمت الأساطيل الأمريكية جزيرة أوكيناوا اليابانية وبدأت تقصف الجزيرة بأطنان من القنابل ونيران المدفعية والطيران لمدة ثلاثة أشهر دون توقف ، استطاعت خلالها أن تذيب الصخور والكهوف والمغاور التي كانت الملجأ الوحيد للجنود اليابانيين والسكان الأصليين للجزيرة ، وفيما بعد دخلت القوات الأمريكية الجزيرة واحتلتها ثم ألقت القبض على من بقي على قيد الحياة من الجنود اليابانيين والسكان الأصلين .
وقد لاحظ علماء النفس فيما بعد إلى حد الدهشة أن الجنود اليابانيين الأسرى - وهم من الكوماندوز الذين تم اختيارهم وتدريبهم بعناية فائقة على خوض المعارك - كانوا يعانون اضطرابات وأمراضا نفسية بالغة الخطورة رغم تلقيهم تدريبات مكثفة على مواجهة الصدمات والتعامل نفسيا مع الحروب، وأن هذه الاضطرابات كانت متدنية جدا عند السكان الأصليين.
من أجل تفسير أوضح لهذه الظاهرة أجريت أبحاث نفسية وأنثروبولوجية تبين بمقتضاها لأولئك العلماء أن سبب انخفاض درجة الاضطرابات النفسية عند السكان الأصليين للجزيرة ناجم عن أسلوب التنشئة الاجتماعية لسكان الجزيرة الأصليين ، فهو كما تبين أسلوب يغدق على الطفل حبا بلا حدود، ويمنحه حرية واسعة جدا وخاصة أثناء الرضاعة وتسامحا كبيرا فيما يتعلق باللعب وضبط الإخراج ويترك حتى يسير على قدميه دون إكراه. باختصار, التنشئة الاجتماعية السائدة بين سكان الجزيرة هي تنشئة تنتفي فيها كل أشكال الإكراه والعنف والتوتر بعيدا عن حياة الطفل، مما جعل العلماء يثمنون عاليا مستوى الصحة النفسية العالية جدا لسكان الجزيرة الأصليين وقدرتهم على مواجهة الرعب والخوف ولحظات الجحيم ويعزونه بقوة لأسلوب التنشئة الاجتماعية الذي منحهم طاقة هائلة في مواجهة الصعاب وتحديات الوجود بثبات جأش وقوة وذلك بدرجة أكبر من الجنود اليابانيين الذين أعدوا لويلات الحرب ولمواجهة الجحيم، فالسمات الشخصية كالثقة في النفس واللامبالاة والاتكالية والقدرة على الإنجاز والشعور بالنقص أو تأكيد الذات والفردية والميل إلى التعاون وغيرها من السمات تعود إلى أسلوب ونمط التنشئة الاجتماعية السائدة في مجتمع ما، فالتنشئة الاجتماعية هي العملية التي يتم من خلالها تشكيل النظام القيمي الثقافي في الفرد وبناء السجل العصبي لسلوكه الحيوي، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن طابع ومحتوى وشكل التنشئة الاجتماعية يؤثر في بناء الشخصية ويحدد السمات الأساسية التي تتشكل فيها شخصية الفرد وهويته.
والأسرة هي أمضى سلاح يعتمد عليه المجتمع في عملية التنشئة الاجتماعية ، وفي بناء شخصية الإنسان القادر على الفعل والمبادرة والإبداع، وقد أجمعت تجارب العلماء وتأملاتهم على أهمية الأسرة في رسم خصائص شخصيات الأطفال ولاسيما في السنوات الأولى من حياتهم.
ويمكن القول بصورة عامة إن أساليب التنشئة الاجتماعية التي تعتمد الإسراف في استخدام الشدة أو التساهل تؤدي إلى بناء شخصيات ضعيفة وغير متكاملة وكلما اتجهت هذه الأساليب نحو اعتماد المنطق العلمي في النشئة الاجتماعية كانت أكثر قدرة على بناء شخصيات سليمة متكاملة، أما أساليب التنشئة الاجتماعية التسلطية الاعتباطية فهي تؤدي بصورة عامة إلى هدم الشخصية الإنسانية بينما وعلى خلاف ذلك تعمل التنشئة الاجتماعية المعتدلة التي تنطلق من معطيات التجربة الإنسانية العلمية في التربية على بناء الشخصيات الإنسانية المتكاملة.
ترسل لنا حكاية جزيرة أوكيناوا كمربين رسائل تربوية عميقة لمن أراد أن يستقبل تلك الرسائل ويقرأ سطورها باهتمام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي