المالية العامة ومشاريعنا الاستراتيجية

منذ بداية الأزمة المالية العالمية وانتقال تأثيراتها من قطاعات الاقتصاد المالية إلى الاقتصاد الحقيقي بدراجات متفاوتة في مختلف دول العالم والأنظار تتجه إلى القطاع العام والحكومات للخروج من كساد طويل وعميق يهدد الاقتصاد العالمي. فالدور الحكومي أو دور القطاع العام وتحديداً المالية العامة شهد تراجعاً في دوره لإدارة الاقتصاد ولو بدرجات مختلفة بين الدول منذ الثمانينيات ولحين بداية الأزمة المالية. فشعار الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان أن الحكومة هي المشكلة وليست الحل وتوجه حكومة مارجريت ثاتشر البريطانية بداية الثمانينيات لإطلاق العنان لقوى السوق للابتكار وتنظيم نفسها بنفسها بتزامن مع سيطرة السلطة النقدية على مشهد إدارة الاقتصاد وانتشار هذا التوجه عالمياً أسهمت بشكل كبير في زرع بذور الأزمة المالية العالمية. فقد كان لتقليل تنظيم الأسواق دورا كبيرا في تسارع الابتكار والتطور التقني الهائل الذي تزامن مع ابتكارات مالية معقدة تقوم على فلسفة تقسيم وتوزيع المخاطر، وأسهم تراخي التنظيم في نمو اقتصادي متسارع شابته بعض الأزمات التي لم تنجح في إبطاء عملية تقليل التنظيم بل كانت نتائجها تصب في خانة سيطرة قوى السوق وإبعاد المالية العامة عن المشهد الاقتصادي العام كاقتراحات صندوق النقد والبنك الدوليين لدول جنوب شرق آسيا إبان الأزمة الآسيوية في عام 1998. إذن، ولأكثر من عقدين من الزمن طغى على المشهد الاقتصادي تراخ في تنظيم الأسواق مع تطور تقني هائل وابتكارات مالية تركز على المنتجات المالية المبتكرة وتسويقها والاتجار بها بعيداً عن حالة الأصول الحقيقية المرتبطة بها وماهية تقييمها. ونتيجة لذلك، مرت الأسواق العالمية والاقتصاد العالمي بأزمة مالية غير مسبوقة تمثلت بتراجع قيم جميع فئات الأصول المالية والحقيقية وولدت الشك فيما كان يعد من المسلمات كعدم التدخل الحكومي والتنظيم التلقائي للأسواق. ولكون الظروف الاستثنائية تتطلب إجراءات غير استثنائية، قامت الحكومات وخصوصاً الغربية كبريطانيا وأمريكا بتغيير نهجها السابق بالتوجه نحو تطبيق مزيد من التنظيم وتدخل القطاع العام لتحريك عجلة الاقتصاد وتفادي الدخول في مرحلة الكساد. ويتم التدخل الحكومي لتحريك الاقتصاد باستخدام عدة أدوات أبرزها الحوافز الضريبية والإنفاق الحكومي سواء على المشاريع الوطنية أو عن طريق الاستثمار الحكومي المباشر. لذا، قامت بريطانيا بتأميم البنوك الآيلة للسقوط والتي قد يؤدي إفلاسها إلى تبعات تضرب مرافق الاقتصاد كما قامت وتنوي الولايات المتحدة القيام بإجراءات مماثلة محصلتها النهائية رفع مستويات التنظيم ومستوى مشاركة المالية العامة في إدارة الدفة الاقتصادية.

وعلى الرغم من اختلاف الهياكل الاقتصادية للدول، إلا أن العودة القوية للمالية العامة هي السائدة حيث إن الاختناق الائتماني وشح السيولة أدت إلى تخوف مؤسسات التمويل من توفير السيولة للمشاريع التجارية والاقتصادية وبالتالي ارتفاع تكلفة التمويل نظراً لارتفاع درجات المخاطرة والحاجة إلى السيولة في ظل ظروف الاقتصاد العالمي الراهنة. ولتشابك النظام المالي العالمي والاستثمار الدولي، طالت حالة التحوط هذه البنوك ومؤسسات التمويل في مختلف دول العالم. ففي المملكة مثلاً ومقارنة بسنوات النمو الاقتصادي الأخيرة 2003-2007 كانت تكلفة التمويل منخفضة والسيولة متوافرة وشهية المؤسسات المالية والبنوك مفتوحة للتمويل في الوقت الذي كانت فيه أسعار وتكاليف السلع الأولية التي تدخل في إنشاء مختلف المشاريع التجارية والاقتصادية مرتفعة. فجدوى المشاريع التجارية والحكومية في تلك السنوات كانت تعاني من ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج أو الإنشاء وتتمتع بانخفاض تكلفة التمويل وتوفرها. وبعد استيعاب تداعيات الأزمة المالية العالمية انقلبت الصورة بانخفاض أسعار السلع الأولية ومدخلات الإنتاج بتزامن مع ارتفاع في تكلفة التمويل. إذن، حصلت حالة من خلط للأوراق في الجوانب المالية وجانب مدخلات الإنتاج في حسابات الجدوى الاقتصادية وخصوصاً للمشاريع التجارية الكبرى والمشاريع الاقتصادية والاستراتيجية كمشاريع البنية التحتية. وأدى خلط أوراق الجدوى الاقتصادية الناجم عن التذبذب الحاد في تكاليف التمويل ومدخلات الإنتاج إلى تأجيل بعض المشاريع، إلغاء أخرى، وإعادة طلب العروض بناء على المعطيات الاقتصادية الجديدة لما تبقى من المشاريع.

ختاماً، في هذه البيئة الاقتصادية التي تشوبها حالة غير مسبوقة من عدم التأكد يبرز دور المالية العامة لتحفيز النمو الاقتصادي وضمان سير عجلة المشاريع الاقتصادية العملاقة ومشاريع البنية التحتية الاستراتيجية من خلال توفير ضمانات للبنوك والمؤسسات المالية للقروض التمويلية لهذه المشاريع والتمويل المباشر في أحيان أخرى. ولحسن الحظ، فإن التراكمات المالية المتوافرة في خزانة المالية العامة في سنوات ارتفاع أسعار النفط الأخيرة والسياسة الاستثمارية المتحفظة للمملكة أسهمت في توفير الاطمئنان على مستقبل مشاريع المدن الاقتصادية ومشاريع البنية التحتية كسكة حديد الشمال – الجنوب وتطوير الموانئ ومرافق الخدمات التعليمية والصحية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي