راقب كفتي ميزانك دائما

يوجه أحدهم كلمة نابية لشخص ما أمامه فيبادله ذلك الشخص ردا فوريا بعد أن يكون الغيظ قد امتلك ناصيته واستولى الغضب على جماع قلبه، وقد يشتد وطيس الانتقام فيمتد من المستوى الكلامي إلى مستوى آخر هو استخدام الأيدي أو ما يمكن أن تستخدمه الأيدي من أسلحة أو عصي أو نحو ذلك، ويكون التصرف في جميع تلك السلسلة السلوكية مجرد ردود أفعال متلاحقة يأخذ بعضها بزمام بعض، ولقد يعترف الشخص الغاضب فيما بعد بأنه لم يكن يعني ما يقول أو يفعل، بل قد يعض بنانه من الندم على انسياقه وراء تلك الأفعال التي لم يملك فيها إرادته بل انجرف خلالها في تيار الانتقام بغير لجام يصده عن الانخراط في ذلك السلوك المتصاعد من الانفعال، والغريب أن الكلمة نفسها أو ما هو أقذع منها قد تقال لشخص آخر فلا تكاد تثير لديه أي رد فعل ظاهر، وربما يكون رد الفعل الداخلي لدى الشخص الأخير قويا جدا لكنه لا يسمح بإخراجه إلى حيز السلوك الظاهري، ولهذا فإذا اقتصرنا على السلوك الظاهري فإننا نستطيع القول إن الأشخاص يتباينون فيما بينهم فيما يقدمونه من ردود أفعال على المواقف المثيرة للغضب، ويعني ذلك أن الاستجابة الخارجية للمثير نفسه لا تتوقف على حجم المثير، وأن الموقف الواحد المثير للغيظ يمكن أن تكون له ردة فعل خارجية مختلفة لدى الأشخاص، فما السبب وراء ذلك؟
قد يتسنى لنا أن نعزو ذلك التباين بين الناس بإزاء المثيرات التي تواجههم وما يقدمونه من استجابات إلى تباينهم في شدة حساسية المخ لدى كل منهم، فمن المعلوم أن المخ الإنساني محكوم بعمليتين أساسيتين: عملية الإثارة Excitatory وعملية الكف أو المنع Inhibition، فإذا نحن أخذنا طرفي النقيض من الأشخاص لوجدنا أن الشخص الذي يستشيط غضبا لأتفه الأسباب إنما تكون لديه عملية الكف ضعيفة جدا، والشخص العاجز عن تقديم أي رد فعل ضد أي إهانة مهما كانت – وهو الشخص المصاب بالبلادة الوجدانية – إنما تكون عملية الإثارة خاملة جدا في دماغه، وطبيعي أننا نجد أن الشخص المتزن وجدانيا وانفعاليا يكون لديه توازن بين عمليتي الإثارة والكف، ويمكن القول إن جميع العقلاء يتأرجحون بصفة دائمة بين هاتين الكفتين: كفة الإثارة وكفة الضبط، ولكأن الحكمة التي يتوخاها العقلاء هي بذل الجهد الدائب للحفاظ على كفتي ميزان هاتين العمليتين بغير أن ترجح كفة إحداهما على الأخرى، وعندما يجد العاقل أن إحداهما رجحت يسارع إلى توجيه الدعم للعملية ذات الكفة الضعيفة حتى تستطيع أن تكفل لنفسها الثقل الذي يمكنها من التوازي مع الكفة الراجحة، وهكذا نجد أن حياة الاتزان النفسي هي مصالحة دائمة بين كفتي الإثارة والضبط، وإذا حدثت الخصومة يوما فتكون مؤقتة ولكنها كثيرة الحدوث، فما يكاد الشخص السوي يجد نفسه وقد حقق معادلة التوازن حتى تبدأ إحدى الكفتين بالرجوح على الأخرى فيسعى من جديد لإحداث التوازن، وهكذا ترتقي النفس الإنسانية في محاولاتها بين المد والجزر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي