الركود الاقتصادي والغش التجاري
في سعيها لتعظيم حصصها السوقية ورفع مستوى الأرباح، تسعى كبرى متاجر التجزئة إلى جذب أكبر عدد من الزبائن من مختلف شرائح الدخل من خلال اتباع عدة استراتيجيات وطرق تضمن توافر السلعة ضمن الدخل المخصص للإنفاق عند مختلف شرائح الدخل. فعلى سبيل المثال، تقوم كبرى متاجر السلع الغذائية بتوفير منتجات غذائية تتبع علامتها التجارية الخاصة بسعر أقل من السلعة نفسها التي تحمل علامة تجارية معروفة وذلك بهدف توفير هذه السلعة لمن يفضل السعر الأقل أو الذي لا تؤثر العلامة التجارية في قراره الإنفاقي. هذا النوع من التسويق قانوني وليس عليه أي غبار لاختلاف العلامات التجارية وعدم وجود ما يشير إلى الغش والتدليس طالما أن حقوق الإنتاج لهذه السلعة ليست حصرية. أما تصميم وتسويق السلعة نفسها لعلامة تجارية موجودة تحت اسم العلامة التجارية نفسها فيدخل في دائرة الغش التجاري الذي يعد صناعة قائمة بذاتها في بعض الدول. فقد تم تقدير خسائر الشركات المالكة للعلامات والأسماء التجارية بنحو 30 مليار دولار في عام 2007 فقط.
ويثير هذا الرقم الهائل للغش التجاري عدة تساؤلات عن تأثير وصول السلع المقلدة والرديئة إلى السوق السعودية وحجم التحديات والفرص التي يواجهها الاقتصاد السعودي جراء غزو هذه السلع السوق ومزاحمتها للسلع الأصلية التي يقصدها المستهلك، خصوصاً وأن المتهم الرئيس بعمليات الغش التجاري والتقليد لا يستهدف المستثمر أو المصنع السعودي بل المصنع والمنتج في أي بلد آخر.
فمن نافلة القول، إن الغش التجاري ليس وليد اللحظة وليس منتجاً صادراً من المنطقة العربية عموماً، أو النسق الاقتصادي الذي تسير عليه المنطقة حالياً، فالغش التجاري هو وليد عدد من الظروف والمحفزات الطبيعية التي تشكل باجتماعها بيئةً لنمو وتكاثر الغش التجاري. وبتتبع مسيرة الغش التجاري الذي يشكل أكثر من 7 في المائة من التجارة الدولية، علماً بأن أساليب القياس في عمليات الغش غالباً ما تكون متحفظة نظراً لعدم قانونية عمليات الغش التجاري وحدوثها في اقتصاد الظل أو الاقتصاد الرمادي الذي يجر على الاقتصاد الرسمي التبعات غير الحميدة، نجد أن عمليات الغش التجاري كانت ملازمة للتطور التقني وطرق الإنتاج ومدفوعة أساساً بوجود هامش جيد للربح. فالهامش الجيد للربح يرتفع مع ارتفاع هامش ربح الشركة التي تصنع السلعة الأصلية نتيجة لعلامة الشهرة.
لذلك، نلاحظ أن معظم عمليات الغش التجاري في فترة الثورة الصناعية خلال القرن الماضي كانت تقوم على التقليد الصناعي باستخدام الأدوات التي يستخدمها المصنعون نفسها أو الأدوات التي تمكن المستثمر المقلد من منافستهم. وحديثاً، مع تزايد استخدام التقنية في الإنتاج وزيادة الكثافة الرأسمالية على عنصر العمل في العملية الإنتاجية، نجد تزايداً لعمليات التقليد والغش التجاري المعتمدة على المعرفة واستخدام التقنية الحديثة. فبينما كان التقليد في الفترة الماضية يستلزم المنافسة مع المهارات اليدوية التي تتفاوت من شخص لآخر بناء على التدريب والخبرة وغيرها، فعمليات الغش والتقليد في الوقت الحالي تشكل خطراً أكبر مما مضى من سنين نظراً لتراجع أسعار البرمجيات والأجهزة التقنية التي تمكن جميع المستخدمين من استنساخ الخصائص المتوافرة في السلع ذات هامش الربح المرتفع بسبب الشهرة.
ولتقييم مدى التأثر بالغش التجاري والسلع المقلدة، فإن مدى وقوة تأثير الغش التجاري والسلع الرديئة والمقلدة يعتمد على مدى انكشاف واعتماد الاقتصاد السعودي على هكذا سلع، ومدى مزاحمتها للسلع الأصلية ومرورها عبر الطرق الشرعية والرسمية بجانب وجود الطلب الحقيقي على هكذا سلع. فمن المهم الإشارة إلى أن حالة الاقتصاد ككل ومستوى دخل الفرد يؤثران في سوق السلع المقلدة والغش التجاري بشكل كبير، حيث إن سعي المستهلك للتفضيل بين سلعة مقلدة وأخرى أصلية بناء على انخفاض السعر يزداد مع تراجع مستوى دخل الفرد ومع دخول الاقتصاد في دورة الركود.
وأخيراً، ليس بمقدور جهات رقابة الغش التجاري والتقليد التأثير في دورة الاقتصاد ولكن بمقدورها التعاون مع وكلاء وتجار السلع الأصلية لتقليل هامش الفرق بين أسعار السلع الأصلية والمقلدة، تشجيع تجار التجزئة على توفير بدائل للسلع بعلاماتها التجارية الخاصة بأسعار أقل، والعمل على تكثيف الرقابة وتوعية العموم بشفافية تضمن التقليل من الأضرار الصحية والاجتماعية المترتبة على انتشار السلع المقلدة وازدهار الغش التجاري.