تكلفة الحروب في الخليج
بدأت كتابة هذا المقال في الولايات المتحدة وذلك على خلفية مشاركتي في ندوة متخصصة حول منطقة الشرق الأوسط في ضوء الانتخابات الرئاسية الإيرانية. وكنت قد قدمت ورقة عمل في الفعالية التي أقيمت في مقر مؤسسة سنشري فاونيشين في واشنطن، حيث حذرت فيها من اللجوء لخيار العنف لحل الملف النووي الإيراني.
وزعمت في مداخلتي أن الفشل سيكون مصير المشروع الإصلاحي الذي يقوده الرئيس الأمريكي باراك أوباما في حال تم اللجوء للخيار العسكري في التعامل مع الملف النووي الإيراني أو القضايا الأخرى في منطقة الشرق الأوسط مثل تكرار الاعتداء الإسرائيلي على كل لبنان. وادعيت أن خيار العنف سيتسبب في إيجاد متغيرا ت جديدة ربما لا يكون من اليسير السيطرة عليها.
خسارة مليارات الدولارات
كما أشرت في مداخلتي إلى أن منطقة الخليج حظيت بأكثر من نصيبها من الحروب. فمنذ عام 1980، مرت المنطقة بثلاث حروب مكلفة بدأ بالحرب العراقية - الإيرانية ومرورا بحرب الخليج الأولى لتحرير الكويت في عام 1990 وانتهاء بغزو القوات الأمريكية للعراق في عام 2003.
وأثناء وجودي في الولايات المتحدة قررت إجراء بحث حول تكلفة الحروب التي جرت في منطقة الخليج منذ عام 1980 أي الحرب العراقية – الإيرانية. حسب أفضل الإحصاءات المتوافرة، قدمت دول الخليج مساعدات مالية للعراق بقيمة 47 مليار دولار.
ثم كانت حرب الخليج الأولى والتي جاءت على خلفية الغزو العراقي للكويت في آب (أغسطس) من عام 1990. وحسب تقارير منسوبة للكونجرس الأمريكي، بلغت تكلفة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة نحو 61 مليار دولار. بيد أنه حصلت واشنطن على مساعدات مالية وعينية مثل النفط والأكل بقيمة 52 مليار دولار من دول مجلس التعاون بينها 36 مليار دولار من الكويت وحدها.
فاتورة غزو العراق
ثم جاءت عملية الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003. وتبين أن الحرب مكلفة بشكل نوعي للولايات المتحدة الأمر الذي يفسر جانب من قرار الرئيس أوباما بإنهاء الوجود الأمريكي المسلح لبلاد الرافدين. فقد قدرت لجنة تابعة للكونجرس فاتورة الحرب بنحو 1300 مليار دولار بالنسبة للولايات المتحدة حتى نهاية عام 2008.
بالمقارنة، بلغت تكلفة الحرب في أفغانستان نحو 300 مليار دولار حتى نهاية العام الماضي. وقدرت اللجنة فاتورة الحرب في كل من العراق وأفغانستان بنحو 3500 مليار دولار حتى عام 2017 في حال استمرار الأعمال العدائية.
لا شك ينحصر الكلام هنا حول التكلفة المادية المباشرة حسب الأسعار السائدة أثناء الأزمات. ومن شأن ظاهرة التضخم زيادة التكلفة المالية بالأسعار الثابتة. كما هناك مسألة الفرص الضائعة بالنظر لإمكانية صرف الأموال على مشاريع أخرى. وفوق كل هذا وذاك هناك مسألة الخسائر والمعاناة البشرية والتي لا تقديرها بلغة الأسعار.
سياسية إدارة أوباما
وما يبعث على الاطمئنان هو توقع الكثيرين في واشنطن أن إدارة الريس أوباما ستتحاشى سياسة استخدام القوة العسكرية في حل المنازعات بقدر المستطاع أو استخدام القوة على استحياء كما كان الحال أثناء رئاسة بيل كلينتون. تختلف هذه السياسة كلية عن سياسة سلفه في إدارة الأزمات العالمية وحيث الرغبة لاستخدام القوة العسكرية العاتية للولايات المتحدة.
وكان الرئيس جورج بوش الابن قد استخدم القوة العسكرية في معالجة ملفي أفغانستان والعراق. ويمكن القول بكل ثقة أن نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي تعتقد أنه لم يكن أمام الرئيس من خيار سوى غزو أفغانستان وإنهاء حكم حركة طالبان نظرا لتورطها في أحداث 11 من أيلول (سبتمبر). في المقابل، يرى الكثير من المراقبين أن الولايات المتحدة كانت تمتلك خيار عدم غزو العراق. وربما كان من الممكن لإدارة بوش العمل على حل القضايا العالقة مع العراق بالأساليب السلمية دون اللجوء لخيار العنف ومن ثم التسبب في إدخال العراق في دوامة من العنف.
تغيير التكتيك
وعرفت في ضوء الأحاديث التي أجريتها في وزارة الخارجية الأمريكية الأسبوع الماضي أن إدارة أوباما ستوظف الدبلوماسية الهادئة وغير المثيرة في طرح مختلف الملفات العالقة على مستوى منطقة الشرق الأوسط. بمعنى آخر، الحديث هنا هو عن تغيير في التكتيك وليس الأهداف. وعلى هذا الأساس ستظل الولايات المتحدة تضغط من أجل قضايا حقوق الإنسان والعمال والبيئة لكن بأسلوب مختلف.
كما تابعت عن قرب تعامل إدارة أوباما مع نتائج الانتخابات الإيرانية وكيفية تحاشيها التدخل في الشأن الإيراني. وعلى عكس موقف الإدارة، تميز موقف الإعلام الأمريكي بالإثارة حول ردود الفعل داخل المجتمع الإيراني لنتائج الانتخابات. ويكمن الفرق في أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تتمتع بنفوذ متميز في وسائل الإعلام الأمريكية المرئية منها والمسموعة.
ختاما: المطلوب من الولايات المتحدة بوصفها أقوى قوة عسكرية في العالم تحاشي استخدام العنف لحل القضايا العالقة. بل يتطلب من الولايات المتحدة أن تكون رائدة في حل المنازعات بشكل سلمي حتى تكون قدوة للآخرين وليس العكس.