حاجب المدير (2 من 2)

الحاجب أخطبوط موجود في كل مكاتب المديرين كبر المنصب أو صغر, وأثره السلبي عظيم عندما لا يستطيع المدير أن يحكم تصرفاته ولا يسمع لغيره, ولهذا يجب على كل مدير أن يراقب ويتابع تصرفات حاجبه ويوضح ذلك للجميع, بحيث لا يخدع أحد من تصرفات أو تهديدات أو تسلط الحاجب, وعلى المدير أن يعلم أن الحاجب هو المرآة الحقيقية له, فإن كان إنسانا نقيا صالحا متعلما واثقا بنفسه كفؤا لمسؤوليته عارفا بمهامه وصلاحياته, فإنه سيعكس الصورة الحقيقية للمدير, وإذا كان عكس ذلك فإنه يعكس الصورة السلبية عن المدير, وقد يجعل من المدير الصالح المنتج, إنسانا فاسدا حراميا مستغلا لوظيفته ومتعاليا ومتفرطا على من حوله وما جنا, ولعل مقولة أحد المراجعين البسطاء عندما تعرض لموقف محرج مع الحاجب تدل على التقييم للحاجب والمدير يقول ''إذا وجدت الجحش في الاستقبال, ترى الحمار في الداخل'', بمعنى أن الحاجب هو عنوان المدير، وفي هذا السياق أذكر أنني مررت بحادثة مشابهة, فبينما كنت أنتظر لمقابلة أحد المسؤولين حسب موعد محدد مسبقا, تعمد سكرتير مكتبه أو حاجبه أن يعوقني لأكثر من نصف ساعة حتى يمارس عليّ أهميته, وكان يفتعل الاتصالات الوهمية التي يحاول من خلالها أن يوضح لي أهميته وهيبته وتسلطه, وكان بعض تلك المكالمات حوارا مع نفسه لأنه لا يوجد شخص في الطرف الآخر, بمعنى أنه كان يكلم نفسه, وكان أحيانا يتلقى اتصالات ويحاول أن يوضح لي أهميتها, ومنها اتصال جاءه من سكرتيره ليبلغه أن الفطور وصل وحاول أن يوضح لي أن الذي وصل شخصية مهمة فقال لسكرتيره بكل حزم وقوة وجبروت ''خله ينتظر لأن المدير مشغول ولديه مواعيد'', الحاجب أو سكرتير المدير لم يكن يعلم أنني أسمع صوت المتحدث من الطرف الآخر, وبعد تعطيلي مدة نصف ساعة سمح لي بالدخول وعندما هممت بالوقوف قلت له ''لا تؤخر الفطور فربما يبرد الفول قبل أن تذهب لتأكله'' صعق الرجل واضطرب ولم أره عندما خرجت من الاجتماع ولكنه حاول الاتصال بي عشرات المرات ليؤكد لي أنني غلطان ولكن! وبالمناسبة المدير كان كل الوقت وأنا معه في الاجتماع يعتقد أنني متأخر عن الموعد لمدة نصف ساعة وعندما انتهينا أبلغته بما حدث وكيف أن حاجبه هو من تعمد تأخيري عن الاجتماع لاستعراض عضلاته عليّ وكيف أنه اعتبر فطوره مسؤولا مهما جداً جاء لمقابلة المدير, وذكرت له قصه الجحش والحمار.
الحاجب أو سكرتير المكتب دوره يختلف تماماً عن دور مدير المكتب, خصوصاً للمسؤولين الأعلى مستوى ومسؤولية, لأن الحاجب دوره أن ينظم الدخول والخروج والمقابلات والاتصالات وكل ما يتعلق بالعمل اليومي غير الضروري ومدير المكتب شخص معني بإدارة المكتب ومتابعة الأعمال وتنفيذ توجيهات المدير, بمعنى يجب ألا تكون له علاقة أبداً بمسؤوليات وأعمال الحاجب أو السكرتير, والمتابع أو المتعامل منا مع عديد من المسؤولين يجد الخلط الخاطئ بين مسؤوليات وواجبات مدير المكتب والسكرتير أو الحاجب وكيف أن مدير المكتب يقوم بالعملين أو الثلاثة, ولا ينجح في أي منها ويشك في كل من يعمل مع المدير أنه جاء لأخذ مكانه ويصر على أن يكون دائماً خلف المدير في كل مناسبة بينما واجبه أن يكون في مكتبه يدير شؤون مكتب المدير ويتابع الأمور المهمة وليست السطحية.
إن اختيار الحاجب يجب أن يكون وفق معايير صارمة لا تقبل أن يكون من الحاجب الضرر على المدير, ولعلنا جميعاً نعي المعنى العام لكلمة الحاجب, وهو الشعر الذي يعلو العين ليحميها مما يصلها من جهة الشعر أو الجبهة من عرق وغيره ليجعل العين نظيفة وقادرة على الرؤية الصحيحة غير الضبابية, وهذا هو المأمول من حاجب المدير أن يساعده على جعل الرؤية واضحة ولا يخدعه بالمعلومات سواء المغلوطة أو المحجوبة.
يجب أن ينظر كل مدير كبر أو صغر إلى مدير مكتبه ومسؤولياته وسكرتيره وواجباته, وأن يحدد مسؤولية كل واحد منهما, ثم ينظر كل مدير ليرى من يكون حاجبه حتى يعرف من يكون هو, كما يجب على كل محب لهذا البلد الغالي أن يبلغ المدير عن كل السلوكيات الإيجابية والسلبية عن حاجبه حتى لا تزداد الفجوة بين المدير والمواطن ويتحول الوطن إلى غابة يعبث بها حاجب المدير.

وقفة تأمل
''الرجل الفقير هو من ليس لديه مال، والأفقر منه الرجل الذي ليس لديه إلا المال''.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي