أزمة ديون دبي.. قراءة في نموذج
حينما تبلغ الفقاعة أوجها، يكون ذلك إيذانًا بانتهائها. في يوم 25 من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أعلنت شركة دبي العالمية طلبها من دائنيها إنذارها ستة أشهر أخرى، وإعادة هيكلة ديونها.واندهش لذلك أقوام وصعق هنالك المستثمرون. وانكشف بعض المستور عن ديون شركات دبي واختلفت التقديرات حول مجمل ديون الإمارة. ويبدو أن ما ظهر حتى الآن هو رأس جبل من هشيم يوشك أن يتطاير. حدث هذا على الرغم من أنه سبق لمصرف الإمارات المركزي أن اشترى سندات من حكومة دبي بقيمة عشرة مليارات دولار في وقت سابق من هذا العام. ثم اكتتب بنك أبوظبي ومصرف الهلال اللذان تسيطر عليهما إمارة أبوظبي بخمسة مليارات أخرى. وكان من الواضح أن كل ذلك لم يكن كافيًا لمساعدة شركات دبي على الصمود، وقد اتسع الخرق على الراقع. فانخفضت أسعار الأسهم ببورصات أوروبا وآسيا وانخفض الإسترليني أمام غيره من العملات نظرًا لانكشاف عدد من البنوك البريطانية على ديون دبي، وارتفعت تكلفة التأمين من العجز على سداد ديون دبي بأكثر من 400 نقطة، وخفضت وكالات التصنيف الائتماني تصنيف ست شركات ضخمة من شركات حكومة دبي. وتطاير الشرر حتى أصاب أقوامًا لا ناقة لهم في هذا الأمر ولا جمل. إذ ألغى بنك الخليج الدولي، الذي تملك الحكومة السعودية 97 في المائة من أسهمه، بيع سندات مقومة بالدولار خشية أن تؤدي أزمة دبي إلى انخفاض قيمة هذه السندات وارتفاع الفائدة عليها. ويبدو أن ضررا دائما قد لحق بسوق الديون في منطقة الخليج وليس في دبي وحدها. وذلك أن الأزمة كشفت أن درجة المخاطرة في هذه الديون، بما فيها بعض الديون السيادية، يمكن أن يكون أكثر بكثير في بعض الحالات مما كان متصورا في السابق. لقد كشفت هذه الأزمة وهي امتداد للأزمة المالية العالمية التي بلغت أوجها في أيلول (سبتمبر) 2008، أن المبالغة في التمويل بالديون ينطوي على مخاطر كبيرة. ذلك أن الديون تنطوي على عدم المسامحة أصلا. كما أنها كشفت أن الاستثمار في سلع وخدمات الرفاهية، ومنها المشاريع السياحية، ينطوي على مخاطر كبيرة أيضا. وذلك لأن الطلب على مثل هذه المشاريع يحتاج إلى مرونة داخلية عالية. وهذا ما لا يتوافر دائما. فإذا اجتمع التمويل بالديون مع انخفاض الدخول كانت المخاطر مضاعفة.
كان، ولا يزال، هناك كثير من المفتونين بنموذج دبي. ولفترة من الوقت حاول عدد من دول المنطقة تقليد ذلك النموذج دون النظر إلى حقيقته واحتمالات فشله. يختلف نموذج دبي عن غيره من نماذج المدينة - الدولة كسنغافورة وهونج كونج من عدة نواح . ففي نموذج دبي كل شيء مصطنع ومستورد .. الأفكار والتكنولوجيا ورأس المال والسكان. إذ يبلغ عدد الأجانب في الإمارات نحو 80 إلى 85 في المائة من السكان، كما تبلغ نسبتهم في دبي 90 في المائة من سكانها. وقد تركزت كثير من استثمارات دبي في القطاع العقاري - السياحي. كما اقترنت سياسة الهجرة المتساهلة بتساهل في الضوابط الدينية، إضافة إلى توافر بعض وسائل الترفيه غير المعهودة في المنطقة. وهذا ما يشكل سببا رئيسا لافتتان كثيرين في دبي وكأن الاستثمار في «اقتصاديات الفرفشة» هو أفضل ما يمكن أن تقدمه دبي وأول ما يحتاج إليه العالم! ولا شك في أن أوضاعا كهذه تشكل أخطارا دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة ليس على دبي وحدها، ولا حتى على الإمارات وحسب، ولكن على كل دول منطقة الخليج العربي بخاصة والمنطقة العربية بعامة. لقد استطاع المهاجرون الصينيون السيطرة على مقاليد الأمور في سنغافورة وقاموا بفصلها عن اتحاد ماليزيا في أول عهدها بالاستقلال.
هذا نموذج لا يمكن أن يؤدي إلى تنمية مستدامة. فوجود درجة من الاعتمادية الذاتية شرط أساسي لاستدامتها. وهذا لا يأتي إلا بتوافر عوامل محلية دائمة. وأول هذه العوامل وأهمها هو الإنسان المحلي ذو الإنتاجية المرتفعة. ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا إذا كان النموذج منسجما مع تاريخ وثقافة ذلك الإنسان. وإذا كانت دبي أو حتى سنغافورة وهونج كونج نماذج تثير الإعجاب فإن هناك نموذجا يفوق هذه النماذج مجتمعة ألا وهو نموذج اليابان ثم كوريا. فكلا البلدين لا تتوافر لديه الكثير من الموارد الطبيعية ولا المساحة الكبيرة بالنسبة لعدد السكان. ومع ذلك فإن كليهما عملاق اقتصادي في عالم اليوم. وإذا كانت دبي نموذجا يحتذى فلماذا لم تقتد بها أخواتها من الإمارات ذوات الموارد المحدودة مثلها؟
لقد فضلت الإمارات الانسحاب من مشرع الوحدة النقدية الخليجية لأسباب لا مجال لمناقشتها هنا. إلا أن أزمة ديون دبي كشفت عن مشكلة يمكن أن يسببها انضمام الإمارات إلى الوحدة النقدية المرجوة. إذ إن مشروع الوحدة النقدية وإن كان يتضمن إنشاء بنك مركزي واحد لجميع الدول الأعضاء وسياسة نقدية واحدة، إلا أنه يترك أمر السياسة المالية لكل دولة على حدة. ودول مجلس التعاون تتبع في ذلك النموذج الأوروبي حذو القذة بالقذة. صحيح أن النموذج يفرض قيودا على حجم العجز في الميزانية وحجم الدين العام بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، إلا أن وجود أعضاء غير متجانسين في ظروفهم الاقتصادية يجعل الاستمرار في الالتزام بهذه الضوابط أمرا عسيرا على المدى البعيد. وهذا ما حاصل الآن داخل مجموعة دول اليورو. وقد يؤدي هذا إلى خروج بعض هذه الدول مكرهة من الاتحاد النقدي. وإذا تفحصنا النموذج الخليجي نجد أن الإمارات مكونة من سبع إمارات، تتمتع كل منها بدرجة كبيرة من الاستقلال الذاتي داخل الاتحاد فيما يتعلق بأمور كثيرة وخاصة الشؤون المالية (وهو أيضا أحد أوجه الاختلاف بين دبي وغيرها من المدن - الدولة). وهذا يعني أن انضمام الإمارات إلى الوحدة النقدية الخليجية يؤدي إلى وجود سياسات مالية بعدد الدول الأعضاء، زائدا سبع سياسات لكل إمارة في الإمارات. هذه الاستقلالية ستجعل من العسير جدا على الدولة الاتحادية الوفاء بالمعايير المالية للوحدة النقدية الخليجية! وربما كانت إحدى حسنات أزمة ديون دبي، إذا كان لهذه الأزمة من حسنات، أنها نبهت إلى درجة الاستقلال المالي المبالغ فيها لكل إمارة. ولكن أبعاد المشكلة لا تقتصر على ذلك. إذ أعلنت حكومة دبي أنها لا تضمن ديون شركة (دبي العالمية) وإنها ليست مسؤولة عنها. وسواء كانت حكومة دبي تمتلك كل أو بعض أصول هذه الشركة، وسواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن من اليقين القول إن هذه الشركة وأخواتها من شركات دبي إنما نشأت نتيجة لسياسات دبي، وإن قدرا كبيرا من ديونها مقوم بعملات أجنبية لجهات أجنبية، وإن الوفاء بهذه الديون يشكل ضغطا كبيرا على الموارد المالية، ليس على موارد دبي وحسب، ولكن على موارد الدولة الاتحادية ككل، إن التزمت هي بذلك أو ألزمتها الظروف! ولذلك فإن مشروع الوحدة النقدية الخليجية يحتاج إلى ضابطين إضافيين في مجال السياسة المالية. أولهما أن تحسب ديون الشركات الحكومية وشبه الحكومية لكل إمارة ضمن ديون الدولة ككل. وثانيهما أن يوضع معيار ضابط لحجم الديون الخارجية بالنسبة لحجم ناتجها الإجمالي. وهذان الضابطان الإضافيان سيعيدان تنظيم الاستقلال المالي لكل إمارة داخل اتحاد الإمارات. وسيكون من الضروري تطبيق هذين الضابطين الإضافيين على كل الدول الأعضاء في الوحدة النقدية الخليجية.
إن إحدى النتائج المتوقعة لأزمة ديون دبي هي جفاف منابع التمويل الخارجي لها. وإذا أريد لهذه المنابع الاستمرار في التدفق فسيكون ذلك بشروط قاسية جدا، كما أنه لا مفر للدائنين من القبول بإعادة جدولة تسديد هذه الديون وربما إعفاء دبي من بعضها. كما أنه لا مفر لدبي من القبول بانخفاض كبير في أسعار أصول شركاتها وخاصة الشركات العقارية والسياحية، وذلك إذا أرادت استمرار قدر معقول من الطلب على هذه المنتجات. وليس من المدهش ملاحظة أن أفضل الأصول التي تمتلكها دبي هي الأصول الموجودة خارجها.
لقد أعلن يوم الإثنين (14 كانون الأول (ديسمبر) 2009) عن قيام إمارة أبو ظبي بتقديم عشرة مليارات دولار إلى دبي، والتي أعلنت بدورها عن عزمها دفع 4.1 مليار لحملة صكوك شركة نخيل، وارتفعت نتيجة لذلك أسعار الأسهم في بورصتي دبي وأبو ظبي. وقد عبر بعض المعلقين عن دهشتهم لما أسموه تباطؤ أبو ظبي في مساعدة دبي. والحق أن الأمر على خلاف ذلك. إذ قامت الأولى بتقديم ما مجموعه 25 مليارا إلى الثانية خلال أقل من ثلاثة أسابيع من تفجر الأزمة. وهو ما يعادل قرابة دخلها من النفط لنصف عام! هذا فضلا عن أنه سبق لأبو ظبي أن أعلنت أنها لن تغطي كل ديون دبي ولكنها ستنظر في كل التزام على حدة. ولكن السؤال الذي سيظل مطروحا دائما هو: إلى متى ستقوم أبو ظبي بدور رجل الإطفاء؟