العمل الحكومي وتقويم الأداء والعطاء
حدثني يقول:'' كنت في لقاء مع مسؤول كبير في وزارة حيوية ومهمة، سألني ذلك المسؤول عن تقويمي لرئيسي في العمل, أبديت له مرئياتي مع قناعتي الشخصية بأن السؤال والجواب يشوبهما كثير من المثالب''، تركني وانصرف، وجدتني أسأل نفسي: كيف نقوم أداء العمل في الأجهزة الحكومية، هل يكفي المسؤول أن يسأل كل من زاره للمراجعة في معاملة عن العاملين في فروع وزارته؟ وهل كل مراجع صاحب حق, ويقول الحق ويعلم أسس وقواعد التقويم أم أن الأمور تمشي على البركة دون ضوابط وأُُسس علمية وعملية؟
لقد أثارت هذه القصة في ذهني عديدا من التساؤلات حول العمل الحكومي وتقويم الأداء فيه وكيف يمكن أن نضع رؤية واضحة لتقويم أداء العاملين من أعلى سلطة تنفيذية إلى أقلها جهدا وعناء؟
كيف يتم اختيار المسؤول مهما صغرت أو كبرت مسؤوليته؟ وما المعايير التي توضع لذلك ومن يقوم بتوفير المعلومات التي تساعد على اتخاذ القرار؟ ثم هل تتم متابعة عمله والتأكد من صلاحيته لذلك العمل وتقويم أدائه وتوجيهه التوجيه السليم؟
إن العمل الحكومي, كما نعرف ونعايش اليوم, يمر في أكثر أوقاته بأزمة من حيث العطاء والإنجاز، ثقافة الموظف الحكومي لا تتعدى حرصه الكامل والمطلق على استغلال كل الفرص والثغرات التي يقدمها نظام الخدمة المدنية، كيف يأخذ إجازة ولا تحسب من رصيده حتى لو ادعى أن والده يموت ست أو سبع مرات, وكل مرة يأخذ ثلاثة أيام إجازة عزاء، وتقول الرواية في هذا الشأن إن موظفا ذهب إلى رئيسه في العمل وطلب إجازة لأن والده توفي، أخذ ثلاثة أيام وذهب، ثم عاد بعد فترة وطلب إجازة لأن والده توفي، أعطاه رئيسه إجازة لمدة ثلاثة أيام, وهكذا تكرر المشهد أكثر من ست مرات وهو كل مرة يطلب إجازة لأن والده توفي, في المرة السابعة قرر ذلك الموظف أن يغير المتوفى، فذهب إلى مديره وقال له لقد توفيت والدتي وأرغب في ثلاثة أيام إجازة عزاء فسمح له بتلك الإجازة ثم بعد فترة جاء الموظف مرة أخرى وطلب إجازة لأن والدته قد توفيت فقال له مديره في العمل ربما والدك يموت ست أو سبع مرات, وهذا الأمر متروك لك أما والدتك فلا يمكن أن تموت أكثر من مرة واحدة, والقصد معروف لمن يفهم ما بين السطور.
إن مثل هذا الموظف الانتهازي هو من يسيطر على فكر عديد من الموظفين الحكوميين حول عدم الالتزام بالعمل حضورا وانصرافا وإنجازا، حتى إن الفكر الإداري الرقابي يتجه اليوم نحو استخدام البصمة للتأكد من أن الموظف يحضر في الوقت المحدد ولا يقوم زميل له بالتوقيع في بيان الحضور نيابة عنه.
لقد أشغلني وأضحكني وأبكاني حديث ذلك الزائر عن كيفية تقويم الأداء للموظف مهما كبر مركزه وعلا علمه وعمله أو قل، لقد استوقفني ذلك السؤال ورجعت بالذاكرة إلى عديد من القرارات التي صدرت وتصدر في تكليف أشخاص بمسؤوليات جسام تمس مصالح الناس وحقوقهم وتتعامل مع معطيات التنمية ومتطلبات المستقبل، لقد صُعِقت عندما برزت أسماء أُعطيت مثل تلك المسؤوليات يغلب على بعضهم غياب القدرة على تحملها وتجدهم إما أشخاصا يملكون خبرة سنة مكررة 20 أو 30 سنة، لا تجديد في الفكر ولا تطوير في العمل وإنما صورة نمطية ثابتة تعلمها في عام وعمل بها طوال العمر، أو أشخاص يرون أنفسهم أكبر من المكان الذي تم تعيينه فيه بحيث أصبح المكان أو الكرسي لخدمته وليس هو لخدمة المكان وأصحاب الحاجات إلى هذا المكان.
إن النمط التقليدي لتقويم أداء الموظف من خلال استمارة تقويم الأداء المعمول بها حالياً التي نعلم جميعاً أنها لا تقوِّم أحدا وإنما يقوم بتعبئتها في بعض الأحيان الموظف نفسه وتمر على الجميع للتوقيع، وإلا كيف نشكو من كل هذا الترهل وضعف الإنجاز ثم نجد أن الأغلبية إن لم يكن الجميع يحصلون على تقدير ممتاز أو جيد جداً!
التغيير المطلوب إحداثه في تقويمنا أداء الأجهزة الحكومية يجب أن يشمل الجميع من أمير المنطقة إلى وزير الوزارة إلى وكلائهم ومديري العموم ومن في حكمهم جميعاً بحيث نضمن أن الجميع يعمل ويطور العمل وفقاً للرؤية الوطنية التي تسعى إلى تحقيقها قيادة المملكة في مختلف مناحي الحياة، ويجب على من يتحمل مسؤولية العمل الحكومي أن يكون تحت مجهر مثل هذا التقويم حتى نضمن أن الشكر والثناء لكل عامل يستحقه بسبب عمله وتطويره ذلك العمل وليس بسبب تقرير يرفع لرئيسه يحمل عديدا من المعلومات التي ربما لم يطلع عليها أي منهما ويأتي في نهاية اليوم خطاب شكر وتقدير على ذلك الإنجاز الذي لم ينجز، كما أن هناك عديدا ممن حملوا مسؤولية العمل الحكومي لم يقدموا له أي جهد على أساس لا تعمل فلا تخطئ، وإذا لم تخطئ فلن يسأل عنك أحد أو يشتكيك أحد وتبقى إلى ما شاء الله في مكانك وربما تترقى بسبب عدم وجود مشكلات لك في العمل أو مع مراجعي العمل.
تطوير العمل الحكومي وتقويمه للوصول به إلى ما تأمله قيادة هذا الوطن الحبيب يحتاج إلى كثير من الجهد والعمل الدؤوب, خصوصاً إذا علمنا أن الأغلبية العظمى من العاملين في القطاع الحكومي هم أعداء أي تغيير أو تطوير وعدوهم الأول هو ذلك المجدد مهما كان التجديد بسيطا أو الرغبة في التغيير محدودة.
كل ما آمله ألا يأتي اليوم الذي نجد فيه أن التغيير للتطوير لم يعد مطلباً مجتمعياً وإنما مطلباً اقتصادياً ودولياً، وتكون الأمور قد وصلت إلى مرحلة لا يمكــن معها ذلك التغيير إلا بثمن غال جداً يصعب في ذلك الوقت تقديمــه، وفقنا الله لما يحب ويرضى.
وقفة تأمل:
''أوصى أعرابي ابنه فقال: ابذل المودة الصادقة تستفد إخواناً وتتخذ أعوانا, فإن العداوة موجودة عتيدة والصداقة متعذرة بعيدة. وجنب كرامتك اللئام, فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا، وإن نزلت بهم شديدة لم يصبروا''.