الانتماء الوطني بالمشاركة المحلية

أسئلة تبقى دائما حاضرة في أي نقاش يدور حول التنمية ومتطلباتها وأهمية غرس الانتماء الوطني في قلوب وأعمال مختلف الفئات العمرية والجنسية من المواطنين خصوصا الشباب منهم وكيف أن البلد يفقد ذلك الانتماء الذي يظهر جليا من خلال السلوك الاجتماعي المشين المتمثل في عدم الحرص على حماية المرافق العامة واحترام النظام والعمل والإنجاز وظهور السلبية الاجتماعية نحو أي مبادرة وطنية أو محلية، ويرى أغلب المواطنين أن الحكومة يجب أن تتحمل كل متطلبات التنمية ولا يرون لهم دورا إيجابيا في ذلك، والسبب في نظري ونظر عديد من المهتمين بالشأن التنموي والانتماء الوطني أن الخلل يأتي بشكل أساسي في عدم مشاركة المواطنين المشاركة المباشرة في تنمية مدنهم وقراهم وغياب دورهم الإيجابي في متابعة المشاريع والخدمات التي تقدم لهم، وإحساسهم بأن دورهم لا يتعدى الاستخدام غير المنظم والحريص على حمايتها من التلف أو سوء التنفيذ.
إن إعطاء المواطن الفرصة في تشكيل مدينته أو قريته وجعله عنصرا أساسيا في برنامج اختيار الشكل التنموي لها يجعله يحس بالانتماء إليها لأن كل جزء منها يصبح جزءا منه، فالطريق هو من شارك في تحديد مساره والحديقة هو من شارك في زرعها والمدرسة هو من شارك في بنائها والرحلة التنموية تطول في هذا المجال، ولهذا فإن جعل المواطن جزءا من المنظومة التنموية سيساعد على جعله من الحامين لها ولمخرجاتها، وهذا يؤدي مع الوقت إلى بناء الشعور بالانتماء المحلي بما ينعكس إيجابا على الانتماء الوطني.
تشير أغلب التجارب العالمية إلى أن تفعيل دور المواطن ومهما كان الدور أو المواطن بسيطا يترك أثرا كبيرا في نفسيته ويحمله في الوقت نفسه الإحساس بالمسؤولية وترى بعض تلك التجارب أنها تنتقل به من الإحساس بالمسؤولية إلى النشوة الاجتماعية وينظر إلى أهميته داخل مجتمعه ومنظومتها التنموية ويدفعه إلى مزيد من العطاء المنظم الإيجابي وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على علاقة مدينته وقريته وهو ما يسمى الانتماء المحلي وهو ما يحقق الانتماء الوطني.
الانتماء للوطن لا يمكن تحقيقه من خلال مواد تدرس أو محاضرات تلقى أو قصائد شعر أو غيرها فقط ولكن من خلال المشاركة الفاعلة الإيجابية، والمسؤولية الاجتماعية هي المدخل لاستثمار واستغلال الطاقات الفردية لأفراد المجتمع، ولهذا فإن الاهتمام بها وتوجيهها نحو تحقيق تعزيز الانتماء المحلي هو المدخل إلى تحقيق الانتماء الوطني والاعتزاز بالمنجز الاستثماري والخدمات الذي تقدمه مختلف قطاعات الدولة في مختلف مناحي الحياة.
المسؤولية الاجتماعية فكر وثقافة تبدأ من مراحل الحياة الأولى للأطفال من خلال تحميلهم مسؤوليتهم عن أغراضهم الشخصية ثم كيفية التعامل مع الآخرين وحماية حقوقهم واحترامها، ثم تعلم مراعاة متطلبات السلوك الحضاري من خلال الحفاظ على النظافة الخاصة والعامة والمشاركة المبكرة في بعض المناشط التي يمكن أن يقدمها الأطفال لخدمة مدينتهم ثم الانتقال بهم إلى مسؤوليات اجتماعية أكبر مع تقدمهم في السن، حيث تحقق الارتباط الإنساني والمكاني بين الفرد ومجتمعه، هذه المسؤولية يجب ألا تكون انتقائية وإنما إلزامية على جميع أفراد المجتمع ومؤسساته حيث ينشأ ويتربى الجميع على تحمل المسؤولية والمشاركة في تحقيق أهدافها.
الانتماء الوطني من خلال تقرير الانتماء والمشاركة المحلية تحت مظلة المسؤولية الاجتماعية والعمل التطوعي المنظم والملزم في كل قطاعات المختلفة عن القطاع الحكومي إلى الخاص إلى الأكاديمي والخيري والإعلامي. ولعل إعطاء مثال لكيفية تعزيز العمل الاجتماعي هو ما تقوم به بعض الجامعات العالمية من إلزام طلابها في مختلف المستويات التعليمية بالقيام بأعمال اجتماعية لخدمة سكان أحيائهم وهذه الخدمة تعد جزءا من شروط التخرج وتحسب لها ساعات معينة وهذا يعد محفزا للطلاب لأنه يحقق هدفين أساسيين هما خدمة المجتمع ومنح تقدير أكاديمي لهم مقابلها.
المشاركة المحلية هي المفتاح الأكثر فعالية في تحقيق المتابعة والمراقبة للأداء والمساعي بعد توفيق الله - سبحانه وتعالى - للقضاء على التراخي أو الفساد أو الإفساد لأي من مشاريع مرافق المدينة وفي الوقت نفسه الاستغلال الأمثل لوقت سكان المدن بما يعود على الجميع بالفائدة المرجوة، هذا العمل التنموي المتعدد الأطراف يحتاج إلى آلية لتفعيله ووضع الأطر النظامية لذلك بما في ذلك التقسيم المكاني أو الجغرافي للمدن وأحيائها للوصول إلى الطريقة الأمثل للمشاركة.

وقفة تأمل :
أعدى عدوك أدنى من وثقت به
فحاذر الناس واصحبهم على دخل
وإنما رجل الدنيا وواحدها
من لا يعول في الدنيا على رجل
وحسن ظنك بالأيام معجزة
فظن شرا وكن منها على وجل
غاض الوفاء وفاض القدر وانفرجت
مسافة الخلف بين القول والعمل
وشان صدقك عند الناس كذبهم
وهل يطابق معوج بمعتدل

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي