الميزانية والتنمية الإقليميـــة

أكثر الناس تفاؤلاً لم يكن يتوقع أن تنقلب الموازين وتعود الأمور المالية والميزانية العامة للدولة إلى هذا المستوى والارتفاع خصوصا مع الظروف المالية والاقتصادية العالمية، وكأني بها تستجيب للتوجهات الإصلاحية التي تتبناها المملكة في مجال التنمية وإعادة البناء ودعم المناطق التي لم تأخذ نصيبها في المرحلة السابقة، خصوصاً وأن جميع التوجهات الحكومية تتجه لدعم تنمية المناطق الأقل نصيباً في المرحلة التنموية الأولى، وأيضا داخل المناطق الأخرى والعودة بالاقتصاد التنموي السعودي إلى المبادئ التي أسس عليها حول أهمية تحقيق التنمية المتوازنة بين مناطق المملكة المختلفة وداخل كل منطقة، والتأكيد على أهمية تنويع مصادر الدخل والدفع بالتنمية إلى الغور في إمكانات كل منطقة ومعرفة الميزة النسبية فيها.
إن المرحلة المقبلة والتحديات التنموية المقبلة ومتطلبات السكان من التعليم والصحة وفرص العمل وتوفير الخدمات والمرافق العامة لهم والاتجاه بهذه التنمية إلى مناطقهم ومدنهم وقراهم تحتاج إلى المزيد من التخطيط السليم والرؤية الناضجة والقرار الصائب السريع.
نعلم جميعاً أن المرحلة المقبلة تتطلب دوراً أكثر فاعلية من المناطق ومجالسها في دفع عملية التنمية وتحديد الفرص التنموية فيها وإيجاد أفضل السبل لاستثمارها ونشر خيرها على كامل رقعة الوطن، هذه الفرص التنموية التي تتميز كل منطقة بعدد منها، منها ما هو طبيعي ومنها ما هو موجه بالجهود الوطنية والإرادة السياسية لدعم تنمية مناطق أقل إمكانات من غيرها.
يؤكد الكثير من الاقتصاديين على أهمية الأخذ بمنهج التنمية المتكاملة وإيجاد شبكة تنموية تربط مختلف المناطق مع بعضها بعضا، حيث تحقق الانسجام والتكامل بين مختلف المشاريع في مدنها وقراها وتقضي أو تحد من تنفيذ المشاريع التي تتسبب في إيجاد نوع من التصادم أو التنافس التنموي غير الشريف والتي تؤدي إلى انخفاض العائد الاستثماري، ومما يتسبب في خسارة جميع الأطراف ويقلل من القدرة على التطوير المستقبلي للمشاريع نتيجة انخفاض أو انعدام الربح المقبول.
إن المنهج التنموي الذي تأخذ به الحكومة اليوم في استقطاب مختلف الاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية من خلال مختلف الشركاء ورأس المال الأجنبي يتطلب إعادة النظر في الكثير من الأنظمة والإجراءات التي يعمل من خلالها كثير من الوزارات والهيئات وتتسبب في إطالة أمد الإجراءات والتراخيص وتضعف من رغبة مختلف المستثمرين للاستثمار في المملكة، كما أنها تؤثر بشكل مباشر وسلبي في دعم الرغبة والحماس لدى المسؤولين في المناطق للعمل على جذب هذه الاستثمارات وفقاً للفرص التنموية المتوافرة في مناطقهم.
إن في أيدينا اليوم فرصتين متميزتين الأولى الميزانية العامة والتي يجب استغلالها واستثمارها للاتجاه نحو المناطق ذات الإمكانات التنموية القادرة على تحقيق أحد أهدافنا الوطنية الداعية إلى تنويع مصادر الدخل وإيجاد مختلف فرص العمل لأبناء هذه المناطق، ومن هذا الهدف الوطني نحقق هدفا آخر هو تحقيق التنمية المتوازنة بين المناطق وداخل كل منطقة، الميزة الثانية هي الرغبة الصادقة والقوية للإصلاح في مختلف الجوانب التنموية ولعل أهمها في هذه المرحلة والمرحلة المقبلة هو القضاء على البطالة وتحقيق المستوى المعيشي الملائم لمختلف أبناء الوطن والوصول إليهم بهذه التنمية وفقاً لما تم اعتماده من استراتيجيات ورؤى تنموية.
لقد تمت الكتابة والحديث كثيراً عن أهمية الأخذ بمبدأ اللامركزية التنموية وإعطاء مساحة أوسع لمجالس المناطق للقيام بدور أكبر ومسؤولية أشمل لتطوير مناطقهم، من خلال إيجاد الميزانيات المحلية لها لتوجيهها بشكل متكامل لتطوير إمكانات المناطق وتفعيل دور الأجهزة المحلية للعمل مع بعضها وفقاً لتنسيق محلي دون الحاجة إلى الرجوع في كل صغيرة وكبيرة لأجهزتها المركزية.
إن هذا التوجه سيحقق سرعة في اتخاذ القرار ويقوي من قدرة الأجهزة الإقليمية والمحلية في بناء قدراتها البشرية والمالية كماً ونوعاً وتعطي الفرصة للأجهزة المركزية والسلطة الوطنية للتفرغ لوضع الاستراتيجيات الوطنية والإقليمية ومتابعة تنفيذها من قبل الأجهزة الإقليمية والمحلية ويكون الدور الحقيقي للأجهزة المركزية هو التخطيط والتشريع والتنظيم ومراقبة التنفيذ.
إن المساحة لمثل هذا المقال لا تسمح بالتوسع في طرح الموضوع بشكل شامل وإنما نحاول أن نضع الفكرة العامة والتي لم ولن تغيب عن نظر الكثير من المسؤولين، إلا أن كثرة العمل اليومي والالتزامات العملية والاجتماعية وغيرها تجعل فرصة الوقوف والتفكير والاستماع للرأي الآخر محدودة إن لم تكن معدومة في بعض الأحيان، خصوصاً خلال هذه المرحلة التي تمر بها المملكة والتي تتطلب تفريغ الكثير من الوقت للمراجعة والتنسيق فيما يتعلق بالقضايا والعلاقات الدولية.
إن الفرصة اليوم مواتية لمثل هذا التغير لأسباب عديدة لعل من أهمها الوضع المالي وما تم استثماره في بناء الكوادر البشرية ووجود القيادات الواعية في الكثير من المناطق، وإنشاء مجالس المناطق والمحافظات والمراكز، ووجود عديد من هيئات التطوير ثم الخير المرجو من وجود المجالس البلدية والتي تعد إحدى الحلقات الضرورية للمشاركة العامة في تطوير المدن والقرى، إضافة إلى الاهتمام باستقطاب الاستثمارات المحلية والإقليمية والدولية.
أعلم أن هناك قلقا من إشكالية العلاقة بين الأجهزة المحلية وأسلوب قيامها بمسؤولياتها عند إعطاء الصلاحية لها، إلا أن إعطاء المسؤولية والصلاحية معاً ووضع مسؤولي هذه المناطق تحت طائلة المحاسبة والمساءلة عند التقصير أو المخالفة أو التجاوز وفقاً لنظام مؤسسي يحدد المسؤوليات والواجبات وما يترتب على تجاوزها ومخالفة الأنظمة من مسؤولية لا تراعي أو تجامل المقصرين أو المخالفين.
إننا بهذا ووفقاً للتوجهات الخيرة لتطوير العمل التنموي المؤسسي والبعد عن الجهود الفردية للأفراد سننجح - إن شاء الله - في تحقيق التنمية الإقليمية المتوازنة والمستدامة والتي تنعكس بشكل إيجابي على التنمية الوطنية وتحقق أهدافها الوطنية.

وقفـة تأمـــل:
«نتحدث عن مشكلات الشباب كثيرا. ونسأل: ألم يكن هؤلاء الشباب أطفالا؟ ألم يكونوا في حضانتنا ورعايتنا وتحت مسؤوليتنا؟
ألا يدعونا الإنصاف أن نقول: إن مشكلات الشباب هي من صنعنا نحن وليست من صنعهم؟ لو أننا أحسنا أداء واجبنا نحوهم لكان شبابنا قادرين على حل كل مشكلة يمكن أن تواجههم، مازالت الفرصة قوية والإرادة قادرة والطريق مفتوحا».

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي