إدارة الأراضي والتصرف بها
تعد الأراضي الوعاء الحقيقي والمهم لتفعيل وتنفيذ أهداف التنمية وتحقيق الخطط التنموية التي تضعها الدول، ويتم التعامل معها في كثير من الدول كرأسمال أساسي لا يمكن التصرف به إلا في أضيق الحدود، لأنه يمكن تعويض الفاقد من النقد ولكن لا يمكن تعويض ما يتم التصرف به من الأراضي بعد انتقالها من يد الحكومة، وإعادتها أو نزع ملكيتها مرة أخرى يكلف الخزينة العامة الكثير.
إن المتابع لمسيرة التصرف في الأراضي في المملكة ودخولها كعنصر استثماري في سوق المال ومردودها الربحي العالي، لا يخفى عليه الأثر السلبي الذي ينعكس بشكل مباشر على التكلفة العالية للاستثمارات في المشاريع التي تتطلب الأرض كوعاء لها، مثل إقامة المستشفيات والمدن الصناعية والجامعات وغيرها من الأنشطة التي تتطلبها التنمية، وأصبح الحصول على الأرض بالسعر المعقول لمثل هذه المشاريع من المستحيلات السبع.
إن دخول الأرض كعنصر استثماري خصوصاً في ظل غياب القنوات الصحيحة للاستثمار والقادرة على امتصاص السيولة المتوافرة والمساعدة على توفير فرص العمل الحقيقية والمحافظة على بقاء رأس المال ونموه، أدى إلى نوع من الهجوم غير المبرر على الأرض والحرص على تملكها بمختلف الوسائل والطرق المشروعة وغير المشروعة.
إن ما تعانيه الأراضي اليوم من وسائل سرقة واغتصاب لتجعلنا جميعا نضع أيدينا على قلوبنا ونتساءل ما فرص التنمية وتنفيذها في ظل عدم توافر الأراضي القادرة على احتوائها؟.
لقد أصبح الاعتداء على الأراضي والادعاء الجائر بتملكها ظاهرة بارزة للعيان، وأصبحت الأراضي المحيطة بالكثير من المدن والقرى عبارة عن أحواش مسورة بمختلف أنواع الأسوار من الفاخر إلى العقوم مروراً بالأسوار الحجرية.
إن الكثير من الأجهزة المعنية بإدارة الأرض تعاني بشكل كبير من حجم المعاملات والقضايا التي تستنزف وقت وجهد العاملين فيها لمعالجة مشكلاتها وقضاياها، وتشترك عديد من الأجهزة في مسؤولية التصرف في الأراضي وإدارتها ويغلب عليها عدم التنسيق والعمل الجماعي من خلال رؤية واضحة لأهمية الأراضي والحفاظ عليها وتوجيهها بما يخدم المصلحة العامة.
لقد أصبح الاعتداء على الأراضي واستخدام مختلف الوسائل للحصول عليها مهنة لعديد من الأشخاص خصوصاً في المدن والقرى التي بدأت تأخذ دورها ونصيبها في مجال التنمية العمرانية، وبهذا أصبح الاعتداء على الأراضي عائقا في تنفيذ المشاريع، ويأتي على رأس هذه المشاريع إنشاء المدارس والمستشفيات والمدن الصناعية والجامعات وشق الطرق الرئيسة الرابطة بين مختلف المدن والقرى وداخلها، وبذا أصبحت تكلفة إنشاء المشاريع والطرق أضعاف قيمتها الحقيقية بسبب نزع الملكية.
لذا ونحن في هذا الطرح والبحث عن الحلول بعد معرفة المشكلة وتشخيصها ووقوفاً على توجيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - القائل ''من أخذ من الأرض شيئاً بغير حقه خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين'' رواه البخاري، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ''أيما رجل ظلم شبراً من الأرض كلفه الله أن يحفر حتى آخر سبع أرضين ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس'' رواه الطبراني في الكبير. لنجد أنفسنا ملزمين بالتنبيه عن ذلك والتأكيد على المعوقات الحقيقية التي تقف وستقف عائقاً لتنفيذ الكثير من المشاريع التنموية، ولهذا فإن الأمر يتطلب عديدا من الحلول المتداخلة ولعل من أهمها:
1) إيقاف كل أشكال التملك للأراضي بالمنح أو البيع أو بحجج الاستحكام أو التعويض وجعل الأراضي في يد الدولة للاستفادة منها في مجالات التنمية الحقيقية.
2) إلغاء منح الأراضي للمواطنين وقروض صندوق التنمية العقارية وتوجيه ذلك إلى الهيئة العامة للإسكان والحرص على توفير سكن لكل مواطن.
3) إيجاد قنوات للاستثمار تستفيد من رؤوس الأموال والسيولة التي في أيدي الناس ويكون عائدها الاقتصادي ذا مردود إيجابي على الاقتصاد الوطني ورافدا من روافده.
4) البحث عن الوسائل التي تحد من الاتجار بالأراضي والتأكيد على أن الاستثمار العقاري هو فيما يقام على الأرض وليس في الأرض ذاتها. مع ملاحظة هنا أن أسعار الأراضي الخام في بعض المدن أصبحت أعلى من سعر الأراضي المخططة بسبب المضاربات العقارية.
5) وضع الأنظمة الواضحة والصريحة التي تنظم سوق المساهمات العقارية وتحدد الجهات والمؤسسات التي يسمح لها بالعمل في هذا المجال وعدم تركه لكل من هب ودب كما نرى اليوم.
6) وضع الآلية الصحيحة التي تبقي الأرض في تصرف الحكومة وخصوصاً ما عليها من استثمار وذلك بتبني فكرة حق الانتفاع أو تأجير الأرض لسنوات عديدة... إلخ.
7) إيجاد بورصة أو سوق للاستثمار العقاري يتم من خلالها تطوير الآليات التي تنظم هذا الاستثمار وتحافظ على نمو وتطور أسعار العقارات بدلاً من الوضع الراهن والذي تنخفض فيه أسعار المساكن بعد استعمالها.
8) الحد من النمو غير الطبيعي للمدن الرئيسة وتوجيه توفير الأراضي والمساكن للمدن المتوسطة وأيضا للمدن الواقعة في نطاق المدن الرئيسة مع إيجاد الحوافز الوظيفية التي تساعد على استقرار السكان في المدن المتوسطة.
9) تفعيل دور البنوك ومؤسسات التمويل لإيجاد شركات للتنمية العقارية تقوم على إنشاء المساكن بعد توفير الأراضي من قبل الحكومة وبيعها على الراغبين، حيث يكون دور المشتري هو التعديل على التصميم الداخلي للمسكن وليس على شكله الخارجي.
وقفة تأمــل:
''إذا غلب الهوى أظلم القلب، وإذا أظلم القلب ضاق الصدر، وإذا ضاق الصدر ساء الخلق، وإذا ساء خلق المرء أبغضه الخلق وأبغضهم وجفاهم، وهناك يصير شيطاناً''.