الإعلام والفساد
في لقاء إعلامي مختصر بدأ حديثه بقوله: هل الإعلام يدعم الفساد؟ السؤال كان مباشرا وموجها لنخبة من الإعلاميين وكتاب الرأي. السؤال المباشر والواضح والصريح في نظر سائله يقوم على أن الإعلام بشكل عام وبعض الأقلام الإعلامية السعودية سواءً الصحافية أو الإذاعية أو التلفزيونية أو حتى مواقع الإنترنت, توجهه لدعم بعض التصرفات الفردية للأفراد ومحاولة إبراز التصدي لتصرفاتهم على أنها إساءة لهم ولحقوقهم, مع أن أغلبيتهم من الأشخاص الذين يتصرفون بما يسيء إلى الحق العام والنظام ويعتدون على حقوق الآخرين. لقد كان النقاش ثريا وحمل عديدا من الرؤى التي تؤكد ما ذكر محدثنا والأخرى التي تنفي ما ذكر وتضعها في قالب الحق الإعلامي في إبراز المشكلات والقضايا التي تمس المواطن وتحمي حقوقه.
استشهد محدثنا بموضوع الاعتداء على الأراضي وقيام بعضهم بالتظاهر بالظلم, وأن المسؤولين الحكوميين لا يرحمونهم ويسعون إلى هدم منازلهم وأنهم لا يملكون غيرها وأن في هدمها تشريدا لهم ولأسرهم, ويذهب بعضهم إلى وصف هؤلاء المسؤولين بأنهم أسوأ من اليهود إلى آخر ما ذكره في سياق حديثه عن موقف الإعلام الداعم والمناصر لهؤلاء المعتدين على الأراضي, وذكر في سياق الإيضاح ومن واقع الخبرة أن أغلبية هؤلاء المعتدين هم ممن يملكون عديدا من المساكن والعمائر, وأن بعض أبنائهم يعملون في عديد من المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص, وأن الوضع المادي للأب والأبناء أكثر من ممتاز, وأن اعتداءهم على الأراضي مهنة يعملون فيها ويساعدهم على مزيد من الاعتداء غياب الرقابة الصارمة والإزالة الفورية للاعتداءات, كما أن بعض الإجراءات والأنظمة الحكومية تكون بشكل غير مباشر محفزا لتثبيت الاعتداء, كما أن بعض الدوائر الحكومية أو شبه الحكومية, ومن واقع عدم تخصصها ومعرفتها بحقيقة الأمور وعلى أساس أن دورها هو حماية الحقوق, تتدخل لمناصرة هؤلاء المعتدين, ما يجعل الإعلام ينجرف لإبراز وتضخيم الموضوع على أنه تسلط حكومي على مواطن فقير بسيط, وهذا أدى إلى ضعف الرقابة والإزالة وتطبيق النظام.
لقد تشعب الحديث حول دور الإعلام وتأثيره السلبي في دعم محاربة الفساد, وما زاد الحديث والنقاش سخونة, ما أشار إليه بعض الزملاء من وجود فئة من الكتاب والمراسلين ممن يدفع لهم للقيام بالكتابة عن موضوع معين لحماية توجهات أو أشخاص أو التشكيك في جهود الآخرين من أجل محاربة الفساد, ويكون ذلك بشكل غير مباشر أو ربما بشكل يظهر على أنه محاربة للفساد بينما في الواقع هو دعم للفساد وأهله. كما أن بعض الكتاب والمراسلين أصبحت كتاباتهم وفقا لمصالحهم الخاصة والأسرية, فإذا لم يتعاون هذا المسؤول أو ذاك مع طلباتهم فإنه يصبح هو وإدارته هدفا لأقلامهم السامة يشوهون كل جهد يعمله ويبحثون عن أي خطأ حتى يعظموه ويجعلوا منه قضية وطنية, وهي في الواقع قضية شخصية.
عندما يفقد الإعلام مصداقيته يفقد المواطن والمسؤول القدرة على العمل, لأن الإعلام الصادق المنصف هو المرآة الحقيقية للمجتمع بجميع مؤسساته وأفراده - المصداقية الإعلامية هي السند بعد الله ـ سبحانه وتعالى - في محاربة الفساد, وهي السيف المسلط على رأس كل عامل توضح إيجابياته وسلبياته, وعندما يوجه بعض الصحافيين الجرائد والمجلات نحو المصالح والأهواء الشخصية يفقد الإعلام مصداقيته, والفرد الصغير في المؤسسة الإعلامية الكبيرة فرد مؤثر بشكل مباشر, ولهذا فإن الاهتمام بحسن اختيار الكفاءات العاملة في حقل الإعلام مهمة صعبة ومهمة, وتتطلب جهودا عظيمة, وفي المقابل يجب تغيير المفهوم القديم والخاطئ عن أن الإعلام هو إعلام إثارة والبحث عن إتعاب الآخرين والتجني عليهم أو استخدام سلطة الإعلام للأغراض الشخصية وتحقيق المكاسب الفردية.
الإعلام اليوم بشكل عام حقيقة لا يساعد على محاربة الفساد والمفسدين, وبعض الأقلام اليوم تحارب من يحارب الفساد وتبرزه للمجتمع على أنه الإنسان السيئ, وأن الفاسد هو الإنسان الصالح, ولتأكيد هذه المعلومة على كل واحد منا أن ينظر حوله ويتذكر ما قرأ أو شاهد أو سمع من أخبار عن الحوادث وكيف أن بعض الأقلام الإعلامية حاولت مناصرة المخطئ على حساب المصلح, قد يقال إن هذا تعميم عام لا يصلح, وأنا مع هذه المقولة, لكن تفشي هذا السلوك الإعلامي المشين هو ما حولها إلى ظاهرة عامة أدت إلى النظرة السلبية القاسية على وسائل الإعلام وأفقدتها المصداقية الإعلامية والموثوقية من القارئ, والشواهد على ما ذكر كثيرة ويمكن سردها في طرح موسع إذا تطلب الأمر ذلك. إذا كان الإعلام كما نقول ونؤكد هو أحد القطاعات الرئيسة المكونة للدولة, وهو السلطة الرابعة فيها, ولهذا فإن دوره في دعم محاربة الفساد دور أساسي ومهم, والحاجة إلى تطهيره ممن يحاولون استغلاله والإفساد من خلاله أصبحت أمرا حريا به الوصول بوطننا نحو ما يصبو إليه.