حياة الكلمة

هل للكلمة حياة مثل الإنسان الذي ينطق بها، ويصوغها، ويكتب بها كتاباته، وخواطره، رواياته، وأشعاره، ومؤلفاته، ويعبر بها عما يجول في خاطره؟
الكلمة العربية لا تموت تماما. ربما تختفي أو تتوارى، ربما يقل استخدامها أو ينضب لكنها تبقى حية. وهذا سر عبقرية اللغة العربية .
الكلمة العربية لا تموت. هكذا يمكن أن نقرر، على الرغم من أن جانبا كبيرا من القاموس العربي غير مستخدم اليوم، لكن الكلمة تبقى مكنوزة حتى يكتشفها ويعيد لها الحياة، شاعر موهوب، أو روائي فذ، ويدخلها في سياق جديد للتعبير بها عن موقف، أو رمز، أو واقعة.
هكذا يمكن أن ننظر إلى لغتنا العربية، ففي وقت تتعالى فيه صيحات العامية والتعبيرات الشعبية، كما نرى في الفضائيات والإذاعات، فإن كلماتنا العربية تأبى أن ترحل.
الكلمة تتوالد، تتغير مدلولاتها بين جيل وآخر، وبين مرحلة زمنية وأخرى، وبين مكان ومكان آخر، لكن يبقى مدلولها الأول حافا بها، بانيا حولها أسوارا من المعنى، وحصونا من التأويل.
لقد كان أحد مؤلفينا الكبار في تراثنا العربي يقول: الحروف أمة من الأمم، مخاطبون ومكلفون، فكيف بالكلمة التي تتحرك وتتحول وتنبض في سياقاتها الجديدة وفي معانيها المتعددة في كل سياق؟
فالكلمة لها أثرها الباقي، خاصة إذا صدرت عن لسان حصيف حكيم، الكلمة المسؤولة التي يعبر بها الإنسان ويتحاور ويلتقي عبر مدلولاتها المختلفة مع الآخرين، يتناقش ويتواصل، ويسمي الأشياء بأسمائها، وللكلمة مدلولاتها الكبيرة التي تدل على عظمها ومسؤوليتها في القرآن الكريم، فالإنسان كلمة، والمسيح عيسى بن مريم كلمة، وقال تعالى: "كلا إنها كلمة هو قائلها".. وفي هذا التحديد ربط الله بين الكلمة والقول بحيث يصبح قولا سديدا معبرا، وهي هنا لها مدلولاتها في التفسير وفي القرآن الكريم الذي كتب فيه المفسرون كثيرا، إلا أنها ترمي إلى عظمة هذه الأحرف، وعظمة مدلولاتها.
والحوار عبر الكلمات هو حوار عبر الفكر والعقل، ولهذا فإن ما يقوله الإنسان أو يكتبه أو ينطقه معلق به، ومسؤول عنه .. وكما أن الوقت كالسيف، فإن الكلمة أيضا كالسيف، وهي نتاج حصائد الألسنة والأفكار.
ونحن حين نتحدث عن الكلمة هنا فإننا نعي مسؤوليتها في التغيير على مستوى الفرد والمجتمع، ومن هنا فإن مقالة الكاتب، وفتوى الفقيه، وخطبة المنبر تشكل مسؤولية كبيرة أمام صانعيها، خاصة وهم يلتقون بشكل مباشر مع القارئ والمستمع، سواء على مستوى الكتابة أو الحديث عن قضية أو فكرة أو موضوع أو الاهتمام بالشأن العام.
من هنا فإن مسؤولية الكاتب أمام قرائه مسؤولية مضاعفة، فهو يلتزم أولا بأمانة الكلمة، ويلتزم ثانيا بالطرح الجديد الذي يمكن أن يسهم في تنوير فكرة، أو طرح رأي، أو وضع تصور يصب في مصلحة القارئ والمواطن، وفي مصلحة الوطن بوجه عام.
بالكلمة يمكن نقل الإنسان إلى أعلى مراتب الوعي والتفوق والإبداع، وبالكلمة يمكن التغرير بالعقول وتوجيهها إلى وجهة ظلامية تقود معتنقها إلى دهاليز الضياع وكهوف الإرهاب والعدوانية والفشل.
ولقد التزمت طوال علاقتي بالكتابة بحب الكلمة، فالكلمة إن تكتب لا تكتب من أجل الترفيه، كما يقول الشاعر أمل دنقل، ولذلك فهي تنطوي في داخلها على شحنات من التفكير والتوتر والقلق الإيجابي الذي جعل شاعرنا المتنبي ينشد في الماضي:
على قلق كأن الريح تحتي أوجهها يمينا أو شمالا
فقلق الكتابة، وقلق العلاقة مع الكلمات لا يدانيه أي قلق آخر في المجال الإبداعي، ومن هنا أدعو للتأمل ولمعايشة الكلمات قبل كتابتها، أو قبل إماتتها بتعبير شاعر عربي معاصر. فالكلمة لكي تحيا لا بد أن تموت عشرات المرات لتولد من جديد مسنونة، حادة، سامقة ناعمة بسيطة عميقة في آن واحد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي