رئيس المحكمة العليا الأمريكية وتدريب القضاة السعوديين
لا يوجد أدنى شك في أن المحكمة العليا الأمريكية من المحاكم العريقة على مستوى العالم التي تمارس أعمالها منذ عام 1789، وأن التدريب في الولايات المتحدة أو الدراسة فيها لا يعني تخلينا عن دستورنا, وهو الكتاب والسنة, كما نص على ذلك النظام الأساسي للحكم. أنا وغيري من المئات من المختصين في المجال الحقوقي في المملكة استفدنا من الابتعاث إلى الولايات المتحدة وغيرها من الدول ذات المدارس القانونية العريقة والدراسة فيها, وبعضنا كذلك عمل فيها. ولا شك لدي أن تدريب القضاة عامل أساسي لتطوير مرفق القضاء لدينا في المملكة والاستفادة من خبرات الآخرين مطلوبة. لكن لا أعتقد أن الموضوع الذي نشر في صحفنا المحلية في الأسبوع الماضي فيما يتعلق بإشراف رئيس المحكمة العليا الأمريكية على برنامج لتدريب القضاة السعوديين ــ إن صح الخبر - ينسجم مع تطوير القضاء في المملكة لأسباب عديدة سنذكر بعضها أدناه.
بادئ ذي بدء ليس من اختصاصات المحكمة العليا الأمريكية التدريب بناء على دستور الولايات المتحدة، وأن عددا لا بأس به من القضاة الحاليين في محاكم الولايات المتحدة سواء الفيدرالية أو محاكم الولايات عملوا كمساعدين لقضاة المحكمة العليا في فترة مبكرة من تاريخهم المهني, وهذا قد قام ينقل الخبرة من قضاة المحكمة العليا الأمريكية إلى المساعدين الذين أصبحوا بعد مدة قضاة بعد ممارستهم العمل الحقوقي سنوات عديدة . عمل هؤلاء المساعدين يتركز في أمرين أساسيين أولاهما صياغة الأحكام الصادرة من المحكمة العليا, والآخر هو عمل الأبحاث القانونية في المجالات المتعلقة بالقضايا المنظورة من قبل المحكمة العليا، فهل من المعقول أن قضاتنا سيقومون بهذه الأعمال التي لا توجد فائدة مباشرة منها لاختلاف المدرسة القانونية؟
والأمر الأهم من ذلك هو: كيف يتم قبول أن يشرف رئيس المحكمة العليا الأمريكية على تدريب القضاة السعوديين، فمسألة تبادل الخبرات مطلوبة والتعاون كذلك, أما أن يخضع التدريب لإشراف رئيس أعلى محكمة في الولايات المتحدة فهذا أمر مختلف.
ربما يكون من الأنجع أن نتبع أسلوبا مغايرا, ومنها إذا كان هدفنا الاستفادة من تجربة المحكمة العليا الأمريكية، أن نقوم بإرسال باحثين من المختصين في المجال الحقوقي بمن فيهم قضاة ممن لديهم القدرة على دراسة التجربة خلال فترة قصيرة لا تتجاوز ثلاثة أشهر ومن ثم يتم نقل التجربة إلى القضاة في المملكة عن طريق التدريب ونشر الدراسة التي توصل إليها الباحثون للمختصين. ويمكن أن يتم إعداد هذه الدراسة في إحدى كليات القانون العريقة في الولايات المتحدة ، فيتحقق الهدف الأساسي وهو نقل خبرة المحكمة العليا الأمريكية لكل المهتمين بالمجال الحقوقي, وعلى رأسهم القضاة.
ويمكن أيضاً أن نكرر التجربة الرائدة بإرسال عدة قضاة إلى جامعة عريقة كجامعة أكسفورد, وهذا سبق عمله عام 2003 بإرسال عشرة قضاة ــ كما أذكر ــ إلى الجامعة, لكن لم تعرف نتائج هذه التجربة, التي أظن أنها واجهت بعض الصعوبات بسبب الظروف الشخصية لبعض القضاة.
ما يفرح في ثنايا هذا كله هو أنه لدينا العزيمة على تطوير مرفق القضاء بكل السبل المتاحة, وقد نتفق في كيفية ذلك وقد نختلف, لكن المهم أن يتطور القضاء ويتطور معه العمل الحقوقي في المملكة وأصبحت الرؤية هذه الأيام أوضح, خاصة للمختصين, إن مشكلتنا الرئيسة هي آليات وإدارة العمل القضائي, وإن كان هناك خلل في بعض تطبيقاتنا الفقهية في القضاء فليس الحل في محاكاة المدرسة القانونية اللاتينية كما حصل في بداية الابتعاث في المملكة ورجوع خريجي تلك المدرسة, أو محاكاة المدرسة الأنجلوسكسونية, فالمطلوب هو الاستفادة من خبراتهم, لكن في النهاية إخضاع ذلك لدستورنا.
السر الرئيس لنجاح المحكمة العليا الأمريكية هو ممارستها السلطة القضائية في الولايات المتحدة بشكل مستقل, وكذلك سلطتها الدستورية التي تخولها الرقابة على أعمال السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية, إضافة إلى تاريخ يمتد أكثر من 200 سنة من العمل المستقر في ظل سلطات واضحة أو آليات واضحة للبت في مجال السلطات.