الفساد .. بعد أن هدأت العاصفة

بعد أن هدأت عاصفة التصريحات والمقالات حول الفساد وأسبابه, أو بالأحرى حول أسباب عديد من أزماتنا في موضوعات شتى, ومدى ارتباطها بالفساد من عدمه. وأزمة السيول التي أحدثتها الأمطار في عدد من مدننا, ليس في جدة والرياض فحسب, بل في عديد من مدننا في المملكة, كانت أزمة ومعاناة على مستوى بلادنا كافة, فقد حركت الرأي العام بمستويات لا مثيل لها وحظيت بمتابعة دقيقة من القيادة السياسية في البلاد بأعلى مستوياتها. فهل يحق لنا الآن أن نذٌكر بالاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 43 وتاريخ 1/2/1428هـ وبعض ما جاء فيها؟
تتحدث الاستراتيجية عن أمور عدة بدأت بتعريف الفساد ومفهومه في الشريعة, وفي إحدى النقاط تقول الوثيقة «وتعد ظاهرة الفساد ظاهرة مركبة تختلط فيها الأبعاد الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية، والسياسية، ولذا تتعدد أسباب نشوئها، ومن هذه الأسباب عدم اتساق الأنظمة، ومتطلبات الحياة الاجتماعية، وضعف الرقابة. وللفساد آثار سلبية متعددة أهمها التأثير السلبي في عملية التنمية، فينحرف بأهدافها ويبدد الموارد والإمكانات ويسيء توجيهها، ويعوق مسيرتها، كما يضعف فاعلية وكفاية الأجهزة، ويتسبب في خلق حالة من التذمر والقلق».
ومن ثم ذكرت الوثيقة المنطلقات في ستة بنود والأهداف كذلك في ستة بنود أيضا, وبعد ذلك عددت الوثيقة الوسائل لحماية النزاهة ومكافحة الفساد في سبعة بنود رئيسة وعديد من البنود الفرعية, نذكر منها «قيام الأجهزة الحكومية المعنية بحماية النزاهة ومكافحة الفساد بممارسة اختصاصاتها، وتطبيق الأنظمة المتعلقة بذلك عن طريق عدة أمور منها العمل بمبدأ المساءلة لكل مسؤول مهما كان موقعه وفقاً للأنظمة، سرعة البت في قضايا الفساد، والعمل بمبدأ التعويض لمن تضار حقوقهم ومصالحهم من جراء الفساد بعد ثبوت ذلك بحكم قضائي نهائي من الجهة المختصة، ونشرها بطلب من المدعي العام وموافقة ناظر القضية. ومن البنود إقرار مبدأ الوضوح (الشفافية) وتعزيزه داخل مؤسسات الدولة, وذلك يشمل كفالة حرية تداول المعلومات عن شؤون الفساد بين عامة الجمهور ووسائل الإعلام, وكذلك مشاركة مؤسسات المجتمع المدني في حماية النزاهة ومكافحة الفساد, وأخيرا نذكر منها تحسين أوضاع المواطنين الأسرية والوظيفية والمعيشية».
الهدف الأساسي من هذا الاقتباس المطول للوثيقة هو توضيح أن هذه المسألة حظيت بعناية من مجلس الوزراء الذي قام بإصدار استراتيجية لمحاربة الفساد, وفي ثنايا هذه الوثيقة يتبين وعي المجلس بهذه الآفة العظيمة, وبدلا من إنكار وجود الفساد فعلى جميع المسؤولين الاطلاع على هذه الوثيقة وإصلاح الأمور لديهم في حالة وجود خلل قبل أن تقع المحاسبة. فقد هالني حجم الاتنقادات التي وجهت من قبل مسؤولين حكوميين وكذلك من قبل زملاء في صحفنا المحلية حول استخدام مصطلح الفساد كسبب من أسباب الأزمة, ولقد وصل الحال أن أحد الزملاء يقول «ارحموا أجيالنا القادمة ولا تستخدموا كلمة «فساد» فهذا ربما يؤثر فيهم», وآخر يقول: إن الأمور أخذت بعدا عاطفيا وأن الأمور يجب أن تؤخذ بميزان العقل. ولا شك أن الكتابة في ظل الأحداث ربما تصنف على أنها ذات بعد عاطفي، وبعض الموضوعات لتأصلها فينا يكون من الأجدر أن نناقشها بشكل موضوعي بعيداً عن العاطفة. بينما الوثيقة تؤصل لمبدأ الشفافية في أمور الفساد وإعطاء الجميع الحق في حرية تداول المعلومات في هذا الموضوع.
لكن هل وصلنا إلى مستوى متقدم بحيث إن كلمة «فساد» هو فساد بعينه! لا أعتقد ذلك, فالفساد موجود في دول العالم كافة، وهناك تصانيف عالمية تصدر في هذا المجال وبناء على تصنيف منظمة الشفافية الدولية فتصنيف المملكة هو 63 مقارنة بالدول الأخرى، وتقوم الدول بسن القوانين لمكافحته, لكن أن نقوم بالتشريع للفساد وتأصيله لدينا بحيث إننا نمارسه كل يوم وتقض مضاجعنا مجرد كلمة «فساد», وأما نتائج الفساد التي تحققت على أرض الواقع لممارستنا له من موتى وضياع حقوق أساسية للمواطنين فتكون ردة فعلنا على ذلك أنها أمر طبيعي وقضاء وقدر!
وبقي أمر هو: هل هذه الحوادث سببها الفساد أم لها أسباب أخرى؟ إن السبب الرئيس لها الفساد سواء بشكل مباشر أو غير مباشر, فحجم الإيرادات للدولة والأموال التي تضخ في مشاريعنا بشكل عام كفيلان بمعالجة عديد من المشكلات التي نواجهها, لكن أن نقرر أن حدثا بعينه هو بسبب الفساد فهذا أمر يحتاج إلى بحث وتقص, ولعل حادثة جدة ترسي سابقة في آليات معالجة الفساد. وقبل ذلك وبعده نأمل أن يتم تطبيق وثيقة استراتيجية حماية النزاهة ومكافحة الفساد فقد تم نشره في جريدة «أم القرى», فالوثيقة نافذة وفيها إجراءات عامة لمعالجة الفساد لدينا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي