حقوق أصحاب البدل الصفراء
كان يسير بسيارته الفارهة في الشوارع المقحلة للحرارة في ظهيرة يوم جمعة, وفجأة يرى إنسانا يمشي فوق الجسر, الذي يربط طريق الملك خالد باتجاه الجنوب بالدائري الشمالي في الرياض, من دون تفكير أوقف السيارة فوق الجسر غير آبه بالسيارات التي خلفه وطلب من هذا الإنسان صاحب البدلة الصفراء أن يركب على عجل لتفادي أي اصطدام, سأله إلى أين؟ فقال: مخرج 5 طريق القصيم.
صاحبنا هذا هو أحد عمال النظافة (البلدية) الذين يعملون في إحدى الشركات المتعاقدة, كان باديا عليه الإرهاق والتعب, أما الآخر صاحب السيارة فبعد ركوب هذا العامل معه بدأ يتضايق من رائحته وبدأ يحدث نفسه, فالفجور في هذه النفس يقول له: لماذا أركبته معك وهذه ملابسه متسخة قد تؤثر في سيارتك؟! والتقوى في هذه النفس تقول له: هذه الأوساخ والرائحة لديه لأنه ينظف أوساخكم في هذه المدينة! فهل هذا جزاء الإحسان أن ترى أن الرجل في حالة يرثى لها وقد تعدينا على حقوقه؟
انتصر جانب التقوى في هذه النفس وسأله لماذا تمشي ها هنا؟ فقال: كان من المفترض أن أذهب مع سيارة الشركة, لكن ذهبت وتركتني. لم تنته الحكاية ها هنا, فصاحبنا المترف لم يسمع بمخرج 5 طريق القصيم, بل ذهب إلى مخرج 5 الدائري الشمالي اعتقادا منه أن العامل مخطئ, وعندما وصل إلى هناك لم يتعرف العامل على المكان ونظراته كانت تدل على أنه لأول مرة يراه, وهل يمكن لعمال النظافة أن يكون مقر سكنهم في حي ارستقراطي كحي الغدير؟ يا لتفاهات المترفين! بعد مسافة تتجاوز 25 كيلو مترا من الجسر كان صاحبنا يخطط أن يمشي إلى أن يصل إليه تحت الشمس الحارقة، وصلا إلى صفائح يسكن فيها هؤلاء العمال على طريق القصيم قريبا من مخرج قوات الأمن الخاصة، وقام العامل بدعوة صاحب السيارة لتناول الشاي! فيا لله ويا لكرامة هذه الأنفس التي نتعدى على حقوقها كل يوم.
هذه حالة بسيطة من حالة التعدي على حقوق العمال أصحاب المهن «المتدنية» من عمال نظافة وعمال بناء وغيرهم, ولا توجد مهن متدنية بالمناسبة, فهذه مهن شريفة, واتساخ الملابس والرائحة أشرف من روائح العطور والبخور للذين يمارسون التعدي على حقوق الآخرين، وحالة التعدي تشمل التأخر في صرف رواتبهم وأوضاع سكنهم وعدم توفير وسيلة نقل, وإذا تم توفير وسيلة نقل فنراهم يوميا في أماكن غير مخصصة لنقل البشر ينقلون وكأنهم في درجة من الإنسانية تختلف عنا.
يحدثني أحد الزملاء أنه اطلع على عقد نظافة لمدخل إحدى المدن بمبلغ 25 مليون ريال، ما يضير هذه الشركات من إعطاء العمال حقوقهم, بل زيادة رواتبهم؟ فما يضير إذا نقص الربح من هذا العقد, على سبيل المثال, مئات الآلاف مقابل الدخل الصافي بمئات الملايين؟ وهناك عذر يتمسك به أصحاب هذه الشركات, وهو تأخر صرف مستحقات هذه الشركة لدى «المالية» فيقومون بتأخير رواتب العمال، هذا ليس عذرا مقبولا بناء على نظام العمل, وإذا كان حصل فلماذا لا تقوم الشركة بالاعتذار لعمالها عن هذا التأخير وصرف زيادة كعربون تسامح؟
ولا يمكن في هذه الأحوال أن نترك الأمر بهذا الشكل ونحن نعي تجاوزات أصحاب العمل في هذا المجال بالذات, ولضعف ثقافة هؤلاء العمال بحقوقهم لا بد لوزارة العمل من التطبيق الجازم للباب الـ 13 من نظام العمل الخاص بتفتيش العمل, وكذلك اللائحة التنفيذية لضبط أعمال التفتيش وتنظيمها الصادرة من مجلس الوزراء, وأن يقوم المفتشون بناء على صلاحيتهم بالتخاطب مع العمال على انفراد, وقد يتطلب ذلك وجود مترجمين, وذلك للتحقق من حصول هؤلاء العمال على حقوقهم كي تبرأ ذمتنا جميعاً.