الطاقة في مواجهة غرق المدن الساحلية (2)

كَثُر النشر في الإعلام الغربي عن الخلافات والاتهامات بالتسويف والتزوير بين علماء المناخ عن الأطروحات التي يعلنون عنها وفقا لأبحاثهم المنشورة، وخاصة فيما يتعلق بارتفاع حرارة الغلاف الجوي المطرد خلال الأعوام التي أتبعت الثورة الصناعية، وتنبؤ البعض بغرق المدن نتيجة ارتفاع حرارة ومنسوب البحار من ذوبان جليد القطبين. فقد بات مستهجنا للعامة وغيرهم من المتشوقين للحقيقة ما يدور هذه الفترة من تداخلات وتشويش واتهام لإقصاء أبحاث مناخية مخالفة للأغلبية العظمى، فالأغلبية المعنية هي ممن يتمحور حولهم الاعتقاد بتأثير الإنسان على المناخ الذي يغلب على أي تأثير آخر، وخلافهم ممن لا يعتقدون بذلك التأثير، يُعدون من الأقلية غير المعتبرة في منظور بعض الآراء. بما أن العلماء هؤلاء من البشر، فهم ليسوا بمعصومين عن الخطأ وحتى عن التجافي وتثبيط من يخالفهم في آرائهم، بل يسعون كما يظهر بقصد أو دون قصد لتوجيه معتقداتهم في اتجاه واحد، وهو الاتجاه الذي قد يُراد له البقاء والثبات من الناحية المادية الاستثمارية المحصلة من الدعم الحكومي وحتى التوجيه التجاري للمراكز البحثية والجامعات والقائمين عليها، كونه ينحى طريقا أكثر تلمسا للحقائق بالمنظور العلمي الحديث والمستدرك بالأرقام والتحليلات، مقابل الاعتقاد الآخر الذي يستسلم للنظريات والفرضيات المتعلقة بتغير العصور التي مرت على الأرض سابقا ''الحارة والجليدية''، ليس تقليلا من قيمة الأبحاث المقدمة والمستقبلية لكلا الطرفين، لكن هكذا أحيانا تسير الأمور بسيطة سمجة بالنسبة للبسطاء من العلماء الذين يغيب عنهم الحسُّ الاستراتيجي السياسي البعيد، ويغلب عليهم الحب والعشق الرومانسي الشديد لأبحاثهم، فيتم استغلالها وتوظيفها نحو مخارج نفعية خاصة، أو سياسية لأحداث متتابعة ومتراصة.
ففي تاريخ 9 من نيسان (أبريل) عام 2010، تم نشر دراسة إحصائية عن الأبحاث المقدمة والمنشورة من الداعمين لأطروحة تغير المناخ بسبب الإنسان كمقارنة بالمخالفين لها لدى أكاديمية العلوم الوطنية PNAS الأمريكية من قِبَل الباحث وليام أندريج ورفاقه من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا - أمريكا، والتي تم إرسالها - كما هو معلن - للفحص والتدقيق في تاريخ 22 من كانون الأول (ديسمبر) 2009 كنظام متبع قبل النشر في عرف الأبحاث والدوريات العالمية، وهو التاريخ الذي أتبع مشكلة سرقة الأبحاث المناخية عن طريق لصوص الحواسيب (الهاكرز) من وحدة أبحاث المناخ (CRU) في جامعة إيست أنجليا البريطانية (UEA) في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي 2009، والتي قامت عليها ضجة كبيرة بعد تسريب المعلومات تلك عبر الشبكة العنكبوتية، وفضح نزر قليل من الإيميلات وإبرازها على أن معلوماتها تبين الخداع والتعظيم لقضية الاحتباس الحراري. وهذا النشر تحديدا تم قبل نحو شهر من تنديد 255  عالما، ومن ضمنهم 11 من حائزي جائزة نوبل من أعضاء الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية، في إطلاقهم وثيقة استنكار ضد المشككين في نزاهة العلوم والأبحاث المتعلقة بتغير المناخ، والتي تم نشرها في صحيفة ''جارديان'' البريطانية بتاريخ 6 من أيار (مايو) 2010، وموثقة في 7 من أيار (مايو) في مجلة العلوم الأمريكية (AAAS) وعدة مواقع معنية بالمناخ، في إشارة إلى ما نشرته في مقال سابق لي، أي أن الوثيقة في مضمونها تحاول أن تجهض الانفلات الحاصل بين العلماء والاتهامات التي بدأت الصحافة الغربية تحديدا بنشرها وتحليلها بما يروق لها من مصادرها الصحيحة أو الملتوية، مضافا إلى تدخل السلطات سواء في بريطانيا أو في أمريكا في تحقيقات سرقة المعلومات وصدقها، وأيضا ما آلت إليه دراسة الباحث وليام أندريج ورفاقه الآنفة الذكر من زعزعة في مصداقية المخالفين وإظهارهم بقلة النتاج والتدقيق باعتبارهم غير باحثين حقيقيين، وأنهم مجرد معارضين لا يُعتد بهم ولا بأبحاثهم في مدلول النسبة والتناسب ذي البون الشاسع الذي سيمسحهم إلى الصفر تقريبا ''لا شيء'' في عرف التقريب الذي أظهرته الدراسة في محتواها.
فالدراسة أبرزت جانبا تصنيفيا للعلماء مجحفا مفاده القتنعون وغير المقتنعين، في إشارة إلى قلة مصداقية غير المقتنعين، في رصدها لـ 97 - 98 في المائة من الأبحاث المؤيدة التي أخرجها 1732 باحثا في المناخ مقابل 2 - 3 في المائة لغير المؤيدين أو ما يُسموا بعدم المقتنعين، مما أثار حفيظة المعترضين على هذه الدراسة في تهميش القلة من العلماء، وخاصة في عدم قبول معظم أبحاثهم المقدمة للدوريات المختصة بالمناخ؛ لأن القائمين عليها ممن يعدون بالأغلبية العظمى في تأييد التغيير بسبب الإنسان. ومن الطبيعي أن الأبحاث المخالفة لا تروق لهم ولا تستهويهم، وهو بالفعل ما نشرته بعض المجلات في اتهام وحدة أبحاث المناخ (CRU) في جامعة (إيست أنجليا) البريطانية KUEA قبيل سرقة المعلومات منها، بعدم قبول الأبحاث التي لا تتوافق وتوجهاتها، مما تسبب في قضية غير أخلاقية ولا مهنية علمية، استنفرت على أثرها خروج الوثيقة التنديدية والتي لملمت الوضع بتأييد الجميع في قضية التعددية البحثية، وهو ما لا نعلم مستقبلا بمدى استمرار هذه التهدئة أو التخدير إن صح التعبير؛ أهو عميق أم موضعي في ظل بقاء النسبة المعلنة في الدراسة وارتباطها بالمقررين والنافذين من العلماء في رئاسة الدوريات العلمية؟ مما سيبقي الحنق والغضب مستمرا بينهم، وقد ينفلت الزمام مرة أخرى بما لا يمكن توقعه...!
فهذا الانفلات والتخدير في المنظور التحليلي العميق، له من المستفيدين الذين سيسرحون ويمرحون في استنزاف الأرض وطاقتها وبيئتها إلى أن يتوصل هؤلاء العلماء إلى حقائق دامغة، وهو بعيد المنال ولا يمكن توقعه في غضون السنوات القادمة وحتى بعد 2020، وستظل تستفيد مراكز الأبحاث والمصانع والشركات الإنشائية تباعا من الاستثمار المهول في الطاقة النووية والمتجددة الذي تم ولا يزال الإعلان عنه في المؤتمرات ومن خلال وكالة الطاقة العالمية نظير التغيير في المناخ ''الاحتباس الحراري'' والادعاء بغرق المدن الساحلية الذي سيخيف الجميع، وسيدعو الدول الصناعية - لا محالة - إلى الاستثمار وصرف المليارات من الدولارات، وهو ما تم الاتفاق عليه في أكثر من اجتماع، لتأتي الدول النامية المتلهفة للتقليد وتأخذ مما يتم إنتاجه في الغرب بمبالغ باهظة وبتقنيات معقدة تدار بأيدي المنتجين وتحت تصرفهم من أجل التجارب والتعويض المادي أيضا؛ لأن الحديث هنا لا يمكن اختزاله فقط في مصلحة بيئية للأرض، بل هو مرتبط ارتباطا وثيقا بالاقتصاد والاستثمار واستنزاف مقدرات الدول الصغيرة، وهو ما يعرفه الجميع في العولمة الاقتصادية ومنظمة التجارة العالمية.

باحث معالجة المواد بالليزر - وإخصائي تطوير صناعي مستمر

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي