مكاتب المحاماة وتمويل المشاريع
يعد نشاط تمويل المشاريع من النشاطات الحيوية لمكاتب المحاماة, خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تكثر فيها المشاريع. في عام 2007 كانت دول الخليج أكبر سوق في العالم لصفقات تمويل المشاريع بقيمة تقارب 70 مليار دولار. وبعد الأزمة العالمية انخفضت هذه الصفقات على مستوى العالم, لكن ما زالت هناك سوق جيدة لها, ففي هذا العام يتوقع أن تكون قيمة هذه الصفقات ما يقارب 30 مليار دولار, وفي عام 2011 متوقع زيادتها إلى 40 مليار دولار.. فما المقصود بتمويل المشاريع؟ وما عمل المحامين فيه؟ وما مدى دور مكاتب المحاماة المحلية في مثل هذه الصفقات التي تمول مشاريع في المملكة؟
لا يوجد تعريف محدد لمصطلح تمويل المشاريع المقصود في هذه المقالة Project Finance, لكن نستطيع أن نقول إنه تمويل طويل المدى يمكن استخدامه لمشاريع مختلفة كمشاريع البنى التحتية والمشاريع الصناعية, وقد يستخدم كذلك في المشاريع الزراعية, حتى مشاريع بناء الفنادق والمنتجعات وغيرها. العامل المشترك بين هذه المشاريع أن التمويل لا يكون بناء على الملاءة المالية للمتكفلين برعاية المشروع Sponsors أو حجم الأصول المرتبطة بالمشروع ابتداء, إنما التمويل يكون مبنيا بشكل كبير على أداء المشروع بعد تشغيله والدخل الناتج عن ذلك. الأطراف المشاركة في هذه الصفقات هم المقرضون المكونون من عدة بنوك محلية ودولية بقيادة أحدها, والمتكفلون برعاية المشروع, وكذلك أحيانا الحكومة والبنك الدولي والبنك الإسلامي للتنمية ومؤسسة التمويل الدولية وغيرها من المنظمات الدولية, إضافة إلى المستشار المالي والمحامين والخبراء الفنيين في المجال المتعلق به المشروع.
إعداد المستندات لهذه الصفقات تستغرق ما بين سنة إلى سنتين في المتوسط, وذلك بناء على حجم المشروع ومشاركة الأطراف ذات العلاقة فيه، هذا فقط فيما يتعلق بجزء تمويل المشاريع, وقبل ذلك قد يكون المتكفلون برعاية المشروع قد بذلوا وقتا مماثلا مع مستشاريهم ومحاميهم لدراسات الجدوى وإعداد عقود الشراكة أو عقود التحالف ومستندات المناقصة وغيرها من المستندات ذات العلاقة في مرحلة ما يسمى تطوير المشروع Project Development.
معظم العمل القانوني لتمويل المشاريع تقوم بأدائه مكاتب المحاماة الدولية عن طريق أحد مكاتبها سواء في لندن أو نيويورك أوغيرهما خارج المملكة, وذلك لأسباب عدة منها أن معظم الاتفاقيات ذات العلاقة خاضعة للقانون الإنجليزي أو لقانون نيويورك مع أن بعض المستندات خاضعة للقانون السعودي, إضافة إلى ضخامة العمل الذي يحتاج إلى فريق من المحامين, وكذلك لأن جميع هذه المستندات معدة باللغة الإنجليزية, فلذلك دور المكاتب المحلية يكون منحصرا عادة في مراجعة هذه الاتفاقيات وإبداء الملاحظات عليها والمشاركة في المحادثات الأولية مع مكتب المحاماة الدولي لإعداد هذه الاتفاقيات وتقديم الرأي القانوني اللازم. لا يزال يعد عملا كبيرا مقارنة بالأعمال الموجودة في سوق المحاماة السعودية, لكن يظل محصورا في جوانب محدودة في صفقات تمويل المشاريع.
لسنا في مجال إبداء الرأي حول هذه الاتفاقيات ومدى خضوعها لقوانين غير القانون السعودي وكيفية تنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم المختصة في المملكة، وإنما وددت في هذه المقال أن أشير إلى حاجتنا الملحة إلى عدد من المحامين السعوديين المتخصصين في هذا المجال, وذلك بالطبع لن يكون عن طريق الدراسات الأكاديمية, فهي وإن كانت مفيدة, لكن تظل مقيدة في جوانب نظرية, فالمقصود هو العمل مع أحد المكاتب الدولية في هذا المجال سواء في المملكة أو خارجها, وذلك لاكتساب الخبرات وتطوير الكفاءات الوطنية في هذا المجال, وكذلك على الشركات الكبرى الموجود لدينا في المملكة, التي تمارس دور المتكفلين برعاية المشروع إرسال عدد من المستشارين القانونيين لديها للاستفادة من خبرات المكاتب الدولية, وذلك في أثناء أدائهم الأعمال الخاصة بهذه الصفقات.
وختاماً أقول, انتهى وقت المحامي العلامة لدينا، فكثير منا كمحامين يقدم نفسه على أنه خبير في جوانب القانون كافة, وفي اعتقادي أن ذلك لا يمكن على إطلاقه, فلا شك في أنه لدينا خلفية جيدة عن جوانب القانون كافة, لكن هنالك أمورا تخصصية تحتاج إلى خبرة وبذل وقت لمعرفتها. فإن كان المحامي العلامة مقبولا في زمن ما فهو الآن ليس مقبولا ولا بد من وجود المحامي المتخصص لنستطيع المنافسة ليس دولياً وإنما في بلادنا. ولا يعني هذا ألا يعمل المحامي في غير مجاله المتخصص فيه, فهذا متعذر في سوق المحاماة السعودية في الوقت الحالي, إنما تطوير تخصص فرعي وفي الوقت نفسه العمل في الجوانب القانونية المتوافرة بأسلوب مهني.