مصير الرؤساء التنفيذيين في ظل انتكاسة BP

حسبما نعلم أن مصير الرؤساء التنفيذيين يلتف حول أعناقهم، إذا اعتبرنا الأمر من الناحية المثالية المطبقة خارج نطاق الوضع المحلي للدول النامية، فيتأرجح بين الارتخاء في بداية حياتهم العملية، ويبدأ يشتد إلى أن يتجه نحو خنقهم في نهاية كل مرحلة يعيشونها أو أزمة يتعرضون إليها، أي أنهم عادة ما يستمتعون بنشوة السعادة في النجاح والاستقرار الذي لا يدوم طويلا في المجمل، ويئنون ألما من لعنة الفشل وتفاقم المحن التي باتت مقلقة للجميع دون استثناء مع الهبوط المستمر للأوضاع الاقتصادية، والترهلات التي يعيشها العالم من تغيرات متسارعة نحو الأسوأ.
ما حدث للرئيس التنفيذي لشركة بريتيش بتروليوم توني هاوارد ورحيله عن منصبه جراء كارثة خليج المكسيك النفطية، وإقحامه بموضوع سياسي في إطلاق منفذ حادثة تفجير طائرة لوكربي، هو أحد مؤشرات الوضع الهش الذي يعيشه التنفيذيون والمترتب عن الأزمات، وهو أمر متوقع في حالة كارثة بيئية كبرى، ولا ننسى أن الوضع العالمي البيئي المتأزم في السنوات الأخيرة والأضرار التي تحدثها الكوارث على حرارة الأرض وصحة الإنسان، قد أضافت وقعا انهزاميا على توني هاوارد وألقت بظلالها عليه بزيادة الضغط عالميا نحو رحيله.
الـ ''واشنطون بوست'' في تاريخ 26 من تموز (يوليو) 2010 أوردت سؤالا فحواه ''أين يذهب الرؤساء التنفيذيون الأبطال'' Where have all the CEO heroes gone، تحت صفحة On leadership، وقد تم عرض عدة مقالات مقتضبة من خبراء وأكاديميين مختصين في علوم الإدارة والقيادة في إجابات ترد على السؤال المعلن، وقد أثْرَت تلك الآراء الصفحة بما احتوته من تصورات تخص الموضوع، سواء كانت من الناحية التعبيرية الانتقادية التهكمية السلبية، التي تصب غضبها على التنفيذيين المتراخين، أو الإيجابية التي تستثني حالات خاصة فشلت في حياتها العملية، وتشدد على إبراز كثير من التنفيذيين الذين ارتقوا وأنقذوا تنظيماتهم من السقوط إلى النهوض.. لعل هذه الآراء تصنع من التنفيذيين المتواجدين نماذج حية لو قرأوها واتعظوا من مدلولاتها.
بل لعلي من هنا أُلْمِحُ إلى الأوضاع التي تعيشها المنطقة وتأثير الركود الاقتصادي الأخير في قطاعات كبيرة في الخليج دون استثناء، ومدى العبرة من الدروس التي يمكن أن يتعلمها التنفيذيون المتربعون على قمة كثير من التنظيمات الاقتصادية والصناعية والنفطية والمالية مما يحدث، ويطلعوا على النظريات والآراء والوقائع ليستفيدوا ويفيدوا مجتمعاتهم وتنظيماتهم، لا كونهم متلقين يتم استثمار عقولهم بما تغريهم الشركات الأجنبية المدعية التطوير والخبرة والتنوير، مع أني أعتقد أن من هم موجودون في الساحة بل معظمهم لم يرقوا إلى قمة الفهم الاستراتيجي للأوضاع العالمية، ليترجموها نحو إنقاذ أوضاعهم المتردية، والأدلة كثيرة وأبرزها ما حدث في دبي وبعض القطاعات الخاصة المستثمرة التي انهارت بسرعة، ولعل القطاع النفطي والبتروكيماوي المتعافي بعد الأزمة الاقتصادية هو الأبرز من الناحية المتماسكة، ليس بسبب الحنكة القيادية، لكن تنامي الطلب من جديد وارتفاع الأسعار أحدثتا هذا الإنقاذ الخارج عن السيطرة، وليست السياسات المتبعة عادة في مثل هذه الظروف التي تركزت في مجملها على تقليص المصاريف والحد من التوظيف مثلا هي من أحدثت الخروج من الأزمة، وإن كانت هناك حينها تعهدات بعدم التسريح. فالواقع المؤلم أن العبرة لم تأخذ طريقها نحو التصحيح، وقد بدت الأمور والأوضاع المصيرية للشباب السعودي العاطل باقية ومتنامية في ظل بقاء النزوح الأجنبي للداخل وفي تزايد من يوم إلى آخر.
فإلى متى لا نعي حقيقة أهمية الاستثمار البشري الوطني وتنمية الموارد البشرية الحقيقية ذات الكفايات والإبداعات، لا تلك الترتيبات والمحسوبيات الانتهازية التي استشرت وفاحت ريحها دون خوف ولا رادع ممن يمارسونها بتماد ولا مسؤولية ولا ضمير؟ ومتى يصحو التنفيذيون الأبطال الذين لا تهمهم إلا الكراسي والفوائد المادية لهم قبل منشآتهم بعيدا عن الاهتمام بالمجتمع وأفراده وما يصنعه مؤتمنوهم ممن وضعوهم ليسيروا الأعمال بالتسلط على رقاب العاملين؟ أليست الكراسي دوارة وتقذف من يعتليها دون رحمة؟ ألا يتعلم هؤلاء أنه لا فائدة مما يصنعون ويهملون غير النقمة من أفعالهم، ولا سمعة حسنة لهم سترفع غير الشكوى إلى الباري ـ عز وجل ـ لما خلفوه من آلام أحدثوها من ظلم وهتك لطاقات بشرية نابضة؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي