الاستدامة في الحفاظ على الاستقامة
ماذا يؤمل من مؤتمر المناخ القادم في المكسيك في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) إلى بداية كانون الأول (ديسمبر) من عام 2010 بما يخص الاستدامة، بعد أن انتهى مؤتمر المناخ في الصين في بداية تشرين الأول (أكتوبر) 2010 دون توافق بين أمريكا والصين خاصة واتهامهما لبعضهما البعض بالتعطيل والمماطلة؟ وهل ستكون فيه التزامات وتعهدات كما تمت مداولته في مؤتمر الصين بتخصيص مبلغ 100 مليار دولار سنويا من الدول الغنية للدول الفقيرة من أجل مساعدتها على مواجهة النتائج المترتبة على التغير المناخي؟
لا يزال العالم يواجه عدم ثبات وتشتيت لمسببات وتداخلات واتهامات بتعظيم وتضخيم المعلومات، وصلت حد التشويه لمصداقية العلماء وسرقة معلومات تخصهم وتحريفها في نهاية عام 2009 تشرين الثاني (نوفمبر) بالتحديد من وحدة أبحاث المناخ CRU في جامعة إيست أنجليا البريطانية UEA، حتى أصبحت المؤتمرات المعنية بالمناخ والغذاء مسرحا للهروب من المسؤوليات وإضاعة الوقت والاستفادة منه في تمرير أجندات نفعية لمريديها، خاصة من الدول النامية القادمة بقوة والمنطلقة للنمو الكبير المضطرد كالصين، من أجل التعثر والتقهقر ـــ ولو مؤقتا ـــ في وضع حد للنتائج المقلقة للوضع البيئي العالمي في الاحتباس الحراري التي تتصدرها وتثيرها نتائج الأبحاث والدراسات والمؤتمرات التي تخرج من وقت إلى آخر، والتي يعزوها العلماء المختصون إلى الارتفاع المستمر في استهلاك الطاقة ونفث الكربون على المستوى الصناعي من جانب، ويستدلون من جانب آخر بتأثير الطبيعة الكونية، سواء للشمس أو للأرض في المساهمة بجزء قليل في هذا الارتفاع، كما يدعون، ولا يستثنون أيضا منها التأثير الفردي والسكاني؛ لأنهم جزء لا يتجزأ من المنظومة الحياتية، وسيكمن تأثيرهم بشكل كبير ملحوظ في العقود القادمة نتيجة لقلة الوعي والمعرفة بمدلولاته ونتائجه الوخيمة، إما جهلا أو تجاهلا.
ونتيجة لهذا الوضع البيئي المنفلت وصعوبة التحكم فيه، فقد ارتبط الاحتباس الحراري البيئي أخيرا بمفهوم وتعريف الاستدامة المتجدد في جزئية من جزئياته، وتمت صياغته نحو التثبيت كما يعلن عنه التنفيذيون المشاركون في اتحاد الاستدامة العالمي Sustainability Consortium، وأخرجته الإحصائيات والمسوح المعرفية بين الشركات، كما أشرنا في مقالات سابقة، كما أنه لا يمكن تجاهل إمكانية التقاطع التحليلي لبعض القرارات سواء السلبية أو الإيجابية مع ما يخرج من دراسات حديثة مبرمجة تحاكي تأثير الشيخوخة والنمو الاقتصادي والحضري المدني المنفلت في تغير المناخ.
التشعب الموضوعي نوعا ما ضروري؛ لأنه يضيف للموضوع بعدا تحليليا للربط بين جذور سببية عدة لها ارتباط خفي مع بعض سيتضح مغزاه لاحقا، وكون تداخلهم وتشابكهم مع بعض وارد في الوقت ذاته؛ ما يجعلهم موضوعا واحدا لا يتفكك إلا بتفكك الأسباب بالحلول الناجعة، ويضعهم تحت مفهوم موحد اسمه الاستدامة الذي أربطه بالحفاظ على الاستقامة بمعناها الصحي والنشاط الذهني والإبداعي والابتكار Sustainability is linked to innovation، وفيه من الرقابة والتنظيم والمساءلة والتقييم ما يتم الاستعداد لمحاولة التوافق لخروج نظام استدامة بالتوثيق المبرمج في الأشهر القليلة المقبلة، وللتوضيح؛ التقرير الأخير الذي نشر في Proceedings of the National Academy of Sciences PNAS في تشرين الأول (أكتوبر) هذا العام 2010 بما يخص دراسة النمو السكاني وتأثيره على تغير المناخ، أورد زيادة متوقعة للسكان بما تقارب ثلاثة مليارات نسمة في منتصف القرن الحالي في المناطق الحضرية المدنية، ورأى فيه الباحثون؛ أن في اتباع مسارات وخطط الأمم المتحدة في الحد من الانفجار السكاني حتى عام 2050 سيقلل من الانبعاثات ما بين 16 إلى 29 في المائة، كما أوضح الباحثون من جانب آخر مترتب على التغيرات الديموغرافية والذهاب أبعد من الحجم السكاني نحو تحليل وفحص الروابط بين الأعمار الكبيرة الشيخوخة والمدنية والانبعاثات، ليجدوا من خلال المحاكاة الحاسوبية المبرمجة علميا، أنه قد تحدث زيادة تقارب 25 في المائة من الانبعاثات في الدول النامية في المناطق المدنية تحديدا نتيجة للاستهلاك الناتج طواعية من قبل القوى العاملة مقارنة بالمناطق الريفية الأقل استهلاكا للطاقة، كما أن الازدياد في الأعمار يُتَوَقَّعُ له أن يُخْفِض الانبعاثات إلى 20 في المائة؛ كون كبار السن أقل استهلاكا للطاقة وتحركا من الشباب في مفهوم القوى العاملة، ومن هنا يتضح أمامنا أن مثل هذه الدراسات ضرورية جدا وهي محل اعتماد مفترض في السياسات الاستراتيجية المبنية على أسس علمية وليست تكهنات مبنية على إحصاءات تقديرية وخوف مطرد.
فالنظرة الشمولية والعالمية بما يخص الاستهلاك للطاقة والحفاظ على البيئة؛ يجب أن تكون أمام الجميع وليست المصلحة الخاصة المتحيزة هي النافذة؛ لأن الشمولية تؤدي إلى التكامل وبطبيعة الحال تُقَوِّم الاستدامة في مفهومها الحفاظ على الاستقامة والثروات والمصادر الحياتية، ولنا في تقرير الصندوق العالمي للحياة البرية World Wildlife Fund WWF الذي صدر في تشرين الأول (أكتوبر) عبرة وتوجيه لإعادة خططنا وتنظيمنا وتوعيتنا، حيث أورد فيه كمية استهلاك الفرد من الطاقة لعدد من الدول، والذي يبين أن الفرد في دول الخليج العربي هو الأعلى في تصنيف العشر الأُوَل وعلى رأسهم الإمارات بـستة أضعاف، تليها قطر بـ 5.9، ثم الدانمارك بـ 4.6، وهكذا إلى أن تصل لبريطانيا في الترتيب العاشر بـ 2.75، بينما الفرد في إفريقيا يستخدم جزءا من الموارد التي يحق له.
باحث معالجة المواد بالليزر ـــ وإخصائي تطوير صناعي مستمر