توطين الوظائف والخدمة المهنية الإجبارية
عند التأمل في بيانات وزارة العمل ومصلحة الإحصاءات العامة عن معدل البطالة بين المواطنين ومقارنتها بأعداد العمالة الوافدة وبحسب آخر الإحصائيات، فإنه يتكرر دائماً السؤال عن كيفية وجود أعداد عاطلين عن العمل تتجاوز 400 ألف مواطن وقابلة للزيادة سنوياً مع وجود أكثر من ثمانية ملايين عامل وافد. ونجد الدولة من الناحية الأخرى تعمل من خلال عدة قطاعات، وباستمرار على إيجاد حلول لمعالجة تلك المشكلة ولكنها تنتهي كحلول جزئية أو متعثرة ولأسباب مختلفة. وتتم الإشارة إلى إن من هذه الأسباب أو الصعوبات التي تواجه عملية توطين التوظيف هي عدم امتلاك الباحثين عن العمل أو العاملين حديثي التوظيف المهارات اللازمة للقيام بالأعمال المنوطة بهم، وكذلك عدم الالتزام أو الاستمرارية في تلك الوظائف، والتي يظهر أنها تعود إلى مفاهيم اجتماعية نشأت خلال فترة الطفرة الاقتصادية الأولى وتأثيرها في الوعي الاجتماعي بشكل عام، وفي ثقافة العمل بشكل خاص.
#2#
وعند الأخذ في الحسبان أن فرص العمل التي يوفرها الاقتصاد السعودي سنوياً أكبر من أعداد المواطنين الداخلين إلى سوق العمل، فإنه يتضح أيضا أن من هذه الصعوبات هي المواءمة بين الداخلين إلى سوق العمل وبين متطلبات السوق، لذلك فإنه يجب تطوير آلية التنسيق بين الباحثين عن العمل وبين شواغر الوظائف واحتياجات القطاعات الحكومية المدنية والعسكرية وشركات القطاع الخاص، والتي تصل في مجموعها إلى مئات الألوف من العمالة الفنية.
ومن هنا يبرز أحد الحلول وهو إنشاء برنامج التدريب الإجباري للتوظيف، والذي سيعمل على تعيين حديثي التخرج بشكل إلزامي لمدة زمنية في أعمال مهنية معينة في قطاعات محددة قبل الانخراط في الوظيفة المفترض أن يتم التعيين الدائم عليها. وعند النظر إلى أعداد المتقدمين للقبول في القطاعات العسكرية المختلفة في السنة الماضية نجدها تقارب الـ 200 ألف شخص، وهي بذلك تشكل نسبة رئيسة من أعداد الباحثين والعاطلين عن العمل، فيتبين من ذلك أن النسبة العظمى تأتي من أشخاص لا رغبة في العمل لديهم سوى الالتحاق بأحد القطاعات العسكرية، لذلك قد يكون من المناسب أن يبدأ برنامج التدريب المهني الإجباري بقبول أعداد كبيرة من هؤلاء المتقدمين بحيث تتضمن شروط القبول إكمال برنامج التدريب الإلزامي، وبالعمل لمدة محددة (سنتين على سبيل المثال). وهنا لابد من الإشارة إلى أن الدولة قد بدأت برنامج تدريب عسكري مهني لخريجي الثانوية العامة الراغبين في الالتحاق بالقطاعات العسكرية وذلك في عام 2005م بالتعاون بين القطاعات العسكرية والمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. وقد بلغ عدد الخريجين حتى الآن ما يقارب خمسة آلاف خريج فقط، وهو عدد صغير لا يرضي الطموحات المستهدفة في عملية تدريب وتأهيل عمالة وطنية جاهزة للمشاركة في سوق العمل. وعند النظر إلى مشاريع التطوير العسكرية الاستراتيجية التي تعمل الدولة على تنفيذها حالياً (أو التي ستنفذ في المستقبل القريب) في جميع القطاعات: الدفاع - الداخلية - الحرس الوطني فإنها تؤكد وجود حاجة فعلية لعاملين ذوي مهارات مهنية في تخصصات متعددة وبأعداد ضخمة. ومنها يمكن استغلال هذه المشاريع ببدء تنفيذ برنامج التدريب المهني الإجباري من خلالها والذي سيوجد فرص تدريبية ووظيفية تتناسب مع احتياجات تلك المشاريع وسوق العمل بشكل عام، بحيث يكون التدريب المهني الإجباري هو المظلة التي ستستقطب هذه الأعداد الهائلة من المتقدمين وفي الوقت نفسه ستعمل على تأهيلهم وإمكانية الاستفادة من طاقاتهم في قطاعات أخرى إضافة إلى القطاعات العسكرية، مثل مشاريع تنفيذ الإنشاءات الحكومية الضخمة بأن يتم التدريب والتوظيف أيضا من خلال توقيع عقود توظيف من الباطن من قبل برنامج التدريب المهني الإجباري مع شركات المقاولات الرئيسة في المملكة والتي لديها احتياج للعمالة بشكل مستمر وبعشرات الآلاف، وفي مشاريع تتوزع جغرافياً في مختلف مناطق المملكة. وهي بذلك توفر تلقائياً فرص عمل في مختلف أنحاء المملكة.
ويكون لصندوق الموارد البشرية الدور المكمل لهذه الحلقة، بحيث يقوم بدفع المخصصات الشهرية لحديثي التوظيف في هذا البرنامج (كما هو حاصل في آليات التدريب والتوظيف لدى الصندوق في الوقت الحاضر) فتتضافر بذلك جهود عدة أطراف وبشكل متكامل للمساهمة في تطوير سوق العمل، إذ يحقق هذا البرنامج تحسينا في مستوى إنتاجية العامل الوطني من خلال التشجيع على الالتزام رغبة منه في القبول في القطاع المستهدف (العسكري مثلاً) وبممارسة وظيفة لها تخصص مطلوب بعد اكتساب المهارات اللازمة لها، وتحقيقه دخلا شهريا كمرحلة انتقالية للوظيفة الدائمة، ومنها يتم خلق ثقافة العمل المهني ورفع نسبة مشاركة القوى العاملة في تنمية الاقتصاد الوطني، والله من وراء القصد.