إسلام بلا دماء.. تيار اللاعنف في الإسلام
يعرض الكتاب في خمس دراسات لأفكار تيار اللاعنف الإسلامي، ويصف هذا التيار بأنه ليس مشهورا في أوساط المتابعين والمهتمين بقضايا الإسلام والحركات الإسلامية، ولكنه تيار أصيل، ويطرح مفاهيم ومقاربات وإشكاليات أيضا، ويعرض الكتاب أفكار هذا التيار وموقف المعارضين له والخبرات اللاعنفية العالمية ومدى تأثيرها على نظيرتها في العالم الإسلامي.
جدلية الصراع الإنساني وتحييد العنف
يجادل خالص جلبي في هذا الفصل، مؤكدا على أن النهج السلمي أو اللاعنفي لا يعني تعطيل الجهاد ولا الصلح مع إسرائيل، فتحييد العنف ليس تكتيكا سياسيا، وهو نهج في رأي جلبي عملي أكثر مما يتصوره الكثيرون، واقتصادي إلى أبعد الحدود.
ويرى جلبي أن العنف ذو ثلاث تجليات: كراهية، وتهميش، وحذف للآخر، ويعرفه باختصار بأنه عدم اعتماد الخطاب الإنساني، والتصرف الفيزيائي باليد والسلاح، أو إلغاء الآخر، وعدم السماح للآخر بالوجود والتعبير.
ويؤكد على ضرورة الوعي بأن التناقض الجوهري والأساسي هو العربي ـــ العربي وليس العربي ــــ الإسرائيلي، وما يحتاجه العرب اليوم ليس الصلح العربي الإسرائيلي في الدرجة الأولى بقدر الصلح العربي ــــ العربي، ويستشهد بالنموذج الأوروبي الذي أنتج حالة من السلام والتعاون بعد قرون طويلة من الحروب والتضحيات. ويتفرع من التأسيس السلمي العربي ـــ العربي بناء المجتمع المدني والتخلص من حالة الطوارئ الأموية وعسكرة المجتمع، والنمو الخرافي لأجهزة الأمن، والتسلح إلى درجة الغرق، والعجز المالي، والديون الخارجية، والخوف من الجيران، فما يحتاجه العرب اليوم ليس مزيدا من السلاح بل الاعتماد على قوة الشعوب، فالشعوب لا تقهر، وإسرائيل لا تزيد عن كونها مشروعا غربيا مسلحا، أكثر مما هي دولة عبرية، ويرتكب اليهود حماقة عندما لا يستفيدون من دروس التاريخ.
يقول جلبي إن الأسلحة اليوم مثل أصنام قريش التي لا تضر ولا تنفع، ولا تملك موتا ولا حياة ولا نشورا، فالاتحاد السوفياتي انهار وهو يملك أسلحة تدمر العالم عدة مرات بانهيار داخلي بحت، في الوقت الذي صعدت اليابان وألمانيا إلى القمة العالمية دون قوة السلاح، فقد كانت الحروب قديما تؤدي دورا من الغنائم والأسلاب والرقيق، واليوم فات وقتها، فكما تم إلغاء الرق، فالعالم في طريقه لإلغاء مؤسسة الحرب، مثل أي مؤسسة تولد وتنمو وتموت أو أي كائن له دورة حياة ومصير ينتهي إليه، ''ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون''.
المسألة ببساطة يلخصها جلبي بمقولة لا تراجع ولا رد للأذى، فالسلمية لا تعني الانسحاب والهزيمة، ولكنها المواجهة دون سلاح، ويدخل عدم التراجع أو الخوف أمام الآخر، الحيرة إلى موقفه، وينتقل في طيف متتابع من مواقف نفسية شتى، بدءا من متابعة الهجوم إلى التردد، فالدهشة، فالفضول، فالتوقف، فتبني الموقف الإسلامي، ومن المهم جدا التدريب الشامل على الاستمرار في عدم ردّ الأذى، وضبط النفس، وعدم التراجع أو الخوف أو الشعور بالإحباط واليأس والبقاء على الثقة بالإنسان ''ولنصبرن على ما آذيتمونا''.
وعندما يتقابل المسلمان بسيفيهما يكون مصير كليهما النار، لأن القاعدة النفسية للطرفين هي أن كلا منهما كان حريصا على قتل صاحبه، والحديث يروي قانونا نفسيا، ومشكلة إنسانية تتورط فيها شرائح إنسانية مختلفة، في أي مكان أو زمان، ولا يروي الحديث خصوصية للمسلمين، فهم بشر ممن خلق، بل تفكيك آلية الصراع الإنساني وأسراره الخفية ودوافعه المبطنة.
ولكن لماذا نخاف من التعبير؟ لم لا نتجرأ على كلمة الحق؟ يتساءل خالص جلبي، ويجيب بأن السبب بسيط، هو أننا لا نملك الخطاب الإنساني، ليس عندنا رأي، طالما كان يدور حول إلغاء الآخر، ففقدنا الجرأة والصراحة والقوة والصدق، وأصبنا بداء الأمم المخاتلة، والكذب والالتواء والمراوغة والنفاق، لقد انتشر مرض التقية كالسم بسبب الصراع السياسي، والتآمر من أجل استبدال شريحة بشريحة أخرى، فهو مرض إنساني قبل أن يكون مرض فرقة سياسية، مرض يمكن أن تصاب به الشرائح المتصارعة في الظلام على حد سواء، طالما كانوا بشرا ممن خلق ''بل أنتم بشر ممن خلق''.
ويختتم جلبي بملاحظات ثلاث: أولاها أن الدراسة المنشورة في هذا الكتاب تمثل خطوة لكتابين يتناولان المشكلة على نحو مستفيض، فتحييد العنف فكرة جذرية، وعالم كامل من التصرفات والتصرفات، الكتاب الأول بعنوان ''سيكولوجية العنف واستراتيجية العمل السلمي'' والثاني بعنوان ''جدلية القوة والفكرة والتاريخ'' والملاحظة الثانية تأكيد على أن ما أنجزه الغرب في التأسيس السلمي الداخلي لا يعتبر نهاية الشوط وخاتمة الرحلة الإنسانية، وأخيرا فإنه يؤكد أن دراسته وملاحظاته موجهة ابتداء للذين لديهم قدرة الإصغاء والمراجعة وممارسة النقد الذاتي، وإدخال إمكانية احتمالات الخطأ لأي عمل بشري، وفصله عن الإلهي المقدس المطلق واحتكار فهم النصوص والوصاية عليها.
مبدأ اللاعنف وتحدي العمل الإسلامي
في هذا الفصل يعرض إدريس المهدي، الباحث في قسم الفلسفة في جامعة باريس الفرق المنهجي بين مبدأ اللاعنف في المستوى النظري والأخلاقي وبين مبدأ اللاعنف في المستوى الاستراتيجي والسياسي ككفاح ومقاومة لا عنفية في أرض الواقع، فمبدأ اللاعنف في المستوى الفلسفي والأخلاقي هو بمثابة البوصلة والخريطة التي يبحث بهما الإنسان عن الاتجاه الحقيقي، الذي ينبغي على الإنسان نفسه وعلى التاريخ أن يسلكاه في أثناء معارك وصراعات الحياة، وبينما مبدأ اللاعنف في المستوى الاستراتيجي يبحث عن الفعالية في التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ويرى مهدي أن ثورية مبدأ اللاعنف تكمن في بحثه الشغوف والمتواصل وغير المتناهي عن الحب والحقيقة، وليت في الحب الذي نحاول أن نبذله للخصم ولا في قوة هذا الحب إذا وجد فعلا ولا في الحقيقة التي نريد أن نعتقد أنها في حوزتنا أو قوة هذه الحقيقة إذا وجدت فعلا في حوزتنا، فالمقاوم اللاعنفي لا يشعر أنه يمتلك الحقيقة ولا قوة هذه الحقيقة، ولكن قوة شعوره تكمن في وعيه بعد امتلاكها، وفي علم بأنه يستحيل عليه أو على خصومه أيضا امتلاكها أصلا وإلى الأبد، ومن هذه الزاوية فإن الطرف الآخر للحقيقة ليس هو الخطأ، ولكنه العنف.
والمبدأ الأساسي لفلسفة العمل السياسي كما يرى مهدي هو بناء مجتمع خال العنف، حيث يسود الحوار، والتعارف والجدال بالتي هي أحسن، والإجماع على كلمة سواء، بينما المبدأ الأساسي من فلسفة العنف هو في نهاية المطاف فلسفة التدمير وصناعة الكراهية بل والقتل نفسه، وإذا كان العمل السياسي يعني العنف كما تريد الأيديولوجيات، إن تفهمنا فإن فلسفة مبدأ اللاعنف في التصور الإسلامي تصبح موعظة أخلاقية حسنة أخرى لا تزيد، تضاف إلى باقي لوائح المواعظ الأخلاقية الحسنة الأخرى خارج الواقع السياسي، والمناضل اللاعنفي المسلم يتحول إلى درويش بسيط آخر، يضاف إلى باقي حلقات الدراويش البسيطة الأخرى خارج النضال السياسي، وتصبح مؤسسات الجامع والجمعة والحج أشبه بكنائس يزورها بعض المواطنين الصالحين وبعض السياح كما يزورون جامع باريس وباقي المعالم التاريخية،.. لا أكثر.
وبعد نقاش طويل لمسار الجهاد والعنف والقتال ومفاهيمها يخلص مهدي إلى فلسفة الدفاع عن النفس في الإسلام توصل إلى أن الإسلام يعترف بوجود ثلاث شرائح اجتماعية من داخله في منظومة من ثلاثة معادلات سياسية متباينة تتأرجح بين الجبن والعنف وبين اللاعنف: فئة أولى عريضة أشبعوا في قلوبهم الجبن والخور، فلا تسمع إلا همسا، وفئة ثانية أكرهت على الاختيار بين خيارين اثنين فقط، بين الجبن والسكوت وبين العنف المضاد، فاختارت العنف المضاد، وتعاطته حتى درجة الإدمان المرضي، ومثال هذه الفئة فرقة الخوارج قديما والقاعدة حديثا، وفئة ثالثة قليلة (لا أعرف لماذا يعتبرها مهدي قليلة، فأنا شخصيا أعتقد أنها تمثل الفئة الغالبة من المسلمين، وإذا وافقناه على مقولته فإن الأمة الإسلامية تتكون من أغلبية من الجبناء أو العنيفين، وهذا يبدو لي مخالفا للمشهد الإسلامي القائم حتى قبل قيام الثورات والحركات الإصلاحية الأخيرة) آمنت باللاعنف، وبالمقاومة اللاعنفية، فصار مبدأ اللاعنف بالنسبة لها بمثابة البوصلة الأخلاقية، وهذه الفئة تحرم من حيث المبدأ الجبن والعنف.
دعوات العنف اللاسلمية
يلاحظ محمد مسعد، المتخصص بالأنثروبولوجيا في الإسلام/ جامعة إموري في الولايات المتحدة أن اللاعنف يرجع كنزعة فكرية أو فلسفة روحية إلى قرون عدة مضت، ويبدو منتشرا في تاريخ أمم عدة، اليونان، والقبائل الهندية المسالمة في الأمريكتين، والبوذية والهندوسية والمسيحية والجينية، ويعرض مسعد هنا ثلاث ملاحظات، أولاها أن ظهور ومصير اللاعنف مرتبط بالعنف ذاته، فبعد كل موجة عنف تظهر موجة لا عنف تتعقبها وتسعى لإزالتها، وحين تهدأ موجة العنف تهدأ أيضا موجة اللاعنف، ويتحدث هنا عن ثلاث موجات متعاقبة من هذا الظهر، الأولى ظهرت في نهايات القرن الـ 19 حتى منتصف القرن الـ 20، ففي موجة الحروب والاستعمار التي عرفها العالم في هذه الفترة، ظهر غاندي وتولستوي ومحمد عبده، وظهرت الموجة الثانية بعد حرب 1967 عندما صعدت الحركات الإسلامية، ثم صعدت الحركات الإسلامية العنيفة وخاصة في أفغانستان والبوسنة والفلبين والشيشان وإفريقيا، ثم أسست أحداث 11 من أيلول (سبتمبر) عام 2001 لموجة ثالثة، وفي هذه المرحلة جاء خطاب اللاعنف متماسكا يستمد صلابته من العنف المتفجر ذاته، لكنه يأتي هذه المرة وقد استوت الحركات الاجتماعية على سوقها، وقد وحّدت العولمة بأبعادها الثقافية والاقتصادية بين الناشطين، ووشّجت بينهم روابط الاتصال وقنوات الحوار والعمل.
ويأتي خطاب اللاعنف اليوم من خلال رافدين، يلتقيان حينا، ويفترقان حينا آخر، ألا وهما رافد الحركات العالمية المضادة للعولمة، أو بتعبير أصح العولمة البديلة/ المضادة للعولمة المهيمنة، ورافد حركات السلام العالمية التي تسعى لمجابهة ثقافة العنف، فهذه تعزوه إلى الثقافة، وكلتاهما تعلنان براءتهما من الحرب وعواقبها، ويتساءل مسعد هنا وماذا عن الخطاب الإسلامي اليوم في سياق موجة العنف الثالثة؟ أهو متلقف لخطابات الغرب أم منشئ لخطاب أصيل؟ أمتعدد هذا الخطاب إن وجد أم أنه خطاب واحد؟
ويجيب بالملاحظة أن دعوة اللاعنف الإسلامية تتجبى في صيغتها الليبرالية كدعوة بين دعوات عدة ينتظمها خطاب إسلامي أشمل ينتمي إلى الليبرالية الإسلامية المستمدة بدورها من الليبرالية المسيحية، ويعرف هذا التيار أحد دعاته (مقتدر خان) بالقول إنه ''تأويل الإسلام الحساس للقيم الليبرالية، مثل التسامح الديني وحرية التعبير والضمير، والحريات المدنية والعدالة الاجتماعية، والرفاهية العامة والتطور التعليمي، فالإسلام أساسا مجموعة من القيم الموحاة، التي تهدف إلى دفع الإنسانية في طريق التنوير والفضيلة''.
وهناك تيار لا عنفي إسلامي آخر يستمد قيمه ليس من الليبرالية الإسلامية ولكن من الفوضوية الإسلامية، الفوضوية بمعنى ''معاداة السلطة'' بمعنى العمل على إقامة أنظمة اجتماعية تعتمد على العضوية الحرة الإرادية وعلى التعاون والتآزر وأشكال متباينة من الحكم الذاتي البسيط، ومن هؤلاء جودت سعيد كما يبدو في كتابه ''كن كابن آدم''، حيث لا يذكر الشيخ جودت سعيد في كتابه مرة واحدة كلمة اللاعنف، ولكنه يذكر مرارا كلمة اللاإكراه، ويكسب جودت سعيد هذا المفهوم مركزية كبيرة، معتمدا على الآية ''لا إكراه في الدين'' والإكراه عنده هو السلطة والعنف، والظلم.
يرفض جودت سعيد استعمال العنف أو الإكراه لتحقيق المجتمع المسلم الراشد، فكيف سيقوم التغيير؟ يجيب سعيد بالآية القرآنية ''إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم''.
بين العنف واللاعنف قوس قزح
ترى نادية سلطان، الباحثة في الفكر الإسلامي أن المسافة أو المقارنة بين العنف واللاعنف ليست مقارنة بين أبيض وأسود، ولكنها أعقد من ذلك بكثير، وتلاحظ بأن الناس في عرفهم بأن على الأفراد أن ينتموا إلى أحد الفريقين: أسود أو أبيض يعطلون الإبداع والحرية، وفي مجال العنف واللاعنف فقد تكررت المأساة ذاتها على نحو أكبر في التشبث بأحد الاستراتيجيتين، إذ اتخذ أنصار الجهاد موقعهم مزودين بحماس متأجج وثقة مطلقة بأنهم يذودون عن دين الله، وأنهم مؤيدون بنصره، كما أعلن الفريق الثاني بحماس وثقة مطلقة بأنه هو حقا من يذود عن دين الله، فرفع الراية البيضاء وأعلن شعار اللاعنف وناصب الفريق الأول العداء، فسقط في حفرة التناقض الأول، ثم أنشأ يدعم نظريته بشرح مبدأ ابن آدم الأول ''لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين، إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين''، ولكن إذا كان هدف هذا الدين هو حقن الدماء وهيمنة السلام فإننا نرى في قصة ابن آدم كما وردت في القرآن وأن استسلام المعتدى عليه للمعتدي لم يمنع عنه القتل، ولم يوقف إراقة الدماء، وهكذا قتل ابن آدم، وقتل غاندي،.. إذن أين الحل لوقف نزف الدم في العالم؟ تقول نادية سلطان إن المعركة بين الأبيض والأسود، بين أنصار العنف واللاعنف قد أفاد منها أعداء الإسلام أولا، ثم إنها ضيعت الجهود.