التوابل .. التاريخ الكوني

يعرض الكتاب تاريخ إنتاج وتجارة التوابل في العالم، لكنه في ذلك يدخل في عالم من الأساطير وتاريخ التجارة والطرق والقوافل والبحار، والصراع بين الدول، والعولمة التي فتحت التوابل بابها، وركز المؤلف على التوابل الخمسة الرئيسة، هي: القرفة، الفلفل الأسود، كبش القرنفل، جوزة الطيب، والفلفل الحار، كما ذكر العديد من التوابل الأخرى، ويعرض أيضا تأثير التوابل في السياسة والاقتصاد والثقافة وأساليب الحياة في العالم، وتاريخ الأفكار والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي.
كان للتوابل تاريخ طويل في آسيا قبل وصول الأوروبيين إلى تلك المناطق بوقت طويل، وألهمت معرفة الأوروبيين بالتوابل وتذوقهم لها أساطير وحكايا متعلقة بالفردوس المفقود وبالشعوب والأماكن البعيدة عنهم، وأوحت التوابل بأن تلك النباتات الغريبة كانت جزءا من عبير الفردوس، وفي الاقتصاد والتجارة فقد كانت التوابل مصدرا للثراء وأساسا للتجارة العالمية والصراع أيضا.

ما التوابل؟
يعرف التابل بأنه عادة الجزء العطر من نبتة استوائية، سواء أكان في جذرها أم لحائها أم زهرتها أم بذرتها، وجميع التوابل ذات منشأ آسيوي، باسثناء الفانيلا والفلفل الحار والفلفل الحلو، والتوابل الرئيسة هي: القرفة، القرنفل، الفلفل الأسود، جوزة الطيب، والفلفل الحار، وهناك بالطبع توابل أخرى كثيرة، مثل الهال والزنجبيل والكركم.
عرف اليونانيون القرفة عن طريق الفينيقيين الذين كانوا يعملون في التجارة البحرية، وهي تستخرج من لحاء شجرة دائمة الخضرة من عائلة الغاريّات، وتتناسب القرفة مع عدد كبير من أطباق الحلوى، إضافة إلى الكعك والخبز، كما تتماشى مع التفاح والموز والإجاص وبشكل خاص مع الشوكولاتة، وفي المغرب تستخدم مع أطباق اللحم والدجاج، وانتشرت زراعتها بسبب الطلب العالمي المتزايد في أنحاء واسعة انطلاقا من سيلان (سريلانكا).
وأما القرنفل فيعود أصله إلى مجموعة جزر مولو كاس (جزر الملوك) التي تشكل اليوم جزءا من إندونيسيا، ويمكن استخدامه مع المأكولات الحلوة والحارة، ويستخدم أيضا في الطب للشفاء من الآلام والأمراض، ويعود أصل الفلفل الحار إلى الأمريكتين الوسطى والجنوبية وجزر الكاريبي، وكان الإسبان هم أول من جلب الفلفل الحار إلى أوروبا، وتعود جذور جوزة الطيب إلى جزيرة باندا الإندونيسية، وتنمو على شجرة دائمة الخضرة يمكن أن تصل إلى ارتفاع 20 مترا، وتستخدم كحلوى، ومع الخضراوات واللحوم، وتعود أصول الفلفل الأسود إلى ساحل مالابار جنوب الهند، ويستخدم في كثير من الأطباق الحامضة، ويمكن أن يكون جزءا من الأطعمة الحلوة مثل الخبز والكعك، ويمكن كذلك تقديمه مع الفاكهة.

التوابل في العالم القديم والعصور الوسطى
كانت القرفة والسنا والقرنفل أكثر التوابل المرغوبة في العالم القديم، وسيطرت الصين على تجارة القرفة لفترة من الزمن، ثم شارك الفينيقيون والعرب في تجارتها ونقلها إلى أنحاء العالم، وتوسعت تجارة واستخدامات التوابل مع ازدهار الإمبراطورية الرومانية، لكن المصريين كانوا قبل ذلك بقرون يستخدمون التوابل في طعامهم وطقوسهم، وهناك دلائل تشير إلى أن السكان الأصليين في المكسيك بدأوا استخدام الفلفل الحار في الطعام قبل الميلاد بسبعة آلاف سنة.
واتسعت تجارة التوابل مع صعود الدولة العربية الإسلامية ثم النهضة الأوروبية التي بدأت بالحروب الصليبية وتبعها نشوء دول ومدن مزدهرة وقائمة على التجارة مع الشرق، وباتساع الدولة الإسلامية شرقا وغربا اتسعت معها تجارة ومراكز التوابل في العالم من إندونيسيا شرقا إلى الأندلس غربا، وتشير كتب وقصص الرحالة والتراث في تلك العصور مثل ألف ليلة وليلة وسندباد وابن بطوطة وماركو بولو إلى الحجم الواسع الذي تحتله التوابل في التجارة والحياة بعامة.
ويعرض ابن خردذابة في القرن التاسع الميلادي حكاية عن مجموعة من التجار يتكلمون العربية والفارسية واللاتينية والفرنسية والإسبانية والسلافية، وكانوا يسافرون من الغرب إلى الشرق ومن الشرق إلى الغرب عن طريق البحر أحيانا وعن طريق اليابسة أحيانا أخرى، وكانوا يحضرون من الغرب العبيد والجواري والديباج وفرو القندس والسمور والسيوف، ويحضرون من الصين والهند المسك والكافور والقرفة والبضائع الشرقية، وكانوا في أثناء ذلك يمرون بالمدن والمرافئ والعواصم، واستمرت هذه التجارة إلى أواخر القرن الخامس عشر الميلادي عندما ظهرت البرتغال قوة عسكرية وبحرية واستكشافية جديدة ومختلفة.
وأصبح الصليبيون نقطة مركزية في تاريخ التوابل في القرنين الثاني والثالث عشر الميلادي، ووجد الصليبيون في بلاد العرب شعوبا متقدمة عليهم بمراحل في العلوم والتقنية وأساليب الحياة، وبدأ الوافدون الأوروبيون يقتبسون عادات الطعام والحياة المتبعة في الشرق، وهكذا بدأت هجرة كثير من الأطعمة والبهارات على نحو واسع إلى الغرب وصارت تحل في الموائد الأوروبية، واستخدم الأوروبيون التوابل للعلاج وكمواد حافظة، ومع مرور الوقت أصبحت التوابل مرتبطة بالاستهلاك الدوائي والغذائي.
كانت التوابل القادمة من الشرق عبر المحيط الهندي تفرغ حمولتها في مضيق هرمز على الخليج العربي أو في عدن، ثم تنقل على ظهور الجمال إلى القاهرة والإسكندرية وعكا، وكان هناك طريقان من مضيق هرمز، أحدهما يتحه غربا على ظهور الجمال إلى البحر الأسود، والآخر شرقا عن طريق البحر إلى حلب وقبرص وأوروبا، وبرزت في هذه المرحلة مدينتان إيطاليتان هما جنوة والبندقية، وأصبحتا مركزين مهمين للتجارة، ودخلت المدينتان في منافسة وصراع وتعاون في بعض الأحيان، وصارتا مركزين لتبادل البضائع القادمة من الشرق والغرب، وأنشأ تجار جنوا شركات عائلية كانت تكلف وكلاء ثقات من العائلة يقيمون في المدن مثل القاهرة وصور وعكا وحلب لتأمين البضائع وشحنها.
وصارت التوابل جزءا أساسيا في نمو الاقتصاد الأوروبي، وكانت قيمتها نسبية، فقد استخدم الفلفل في القرن الحادي عشر كوسيلة لدفع رسوم دخول السفن في سوق السمك في لندن، وكانت حبات الفلفل مقبولة كوسيلة لدفع الإيجار والرسوم في بعض المدن الأوروبية، وكانت قيمة باوند واحد من جوزة الطيب تساوي في ألمانيا في أواخر القرن الرابع عشر سبعة ثيران.
يعتبر الرحالة العربي المسلم ابن بطوطة من أوائل من سجلوا معلومات حول تجارة القرفة في سريلانكا ووصف الأطعمة والتجارة في الهند وآسيا، ويرد إلى استمرار سيطرة المسلمين على الطرق البحرية والبرية وتحكمهم في تجارة التوابل ظهور عصر الاكتشافات الأوروبية بحثا عن طرق بديلة.

عصر الاكتشافات والتصنيع
بدأت في القرن الخامس عشر عمليات استشكاف واسعة للبحار والمحيطات شاركت وتنافست فيها الدول الأوروبية القوية البرتغال وإسبانيا وهولندا، ثم فرنسا وبريطانيا، وكان الهدف الأساسي لهذه العمليات المشاركة في سوق التوابل أو السيطرة عليها، وبدأت هذه المرحلة بالاكتشاف البرتغالي للطريق البحري إلى آسيا بالدوران حول إفريقيا عام 1498، وبدأت سلسلة من الحملات العسكرية للمدن والسواحل الهندية والماليزية والإندونيسية، واستطاع الأوروبيون بالقوة وسفك الدماء السيطرة على تجارة التوابل.
وفي ملحمة شعرية كتبها الشاعر لويس كامويس في القرن السادس عشر عن عظمة الإمبراطورية البرتغالية التي تكونت في الشرق أنها جمعت الذهب من غينيا والسكر من ماديرا والبرازيل، والفلفل من مالابار وإندونيسيا، وجوزة الطيب من باندا، والقرنفل من تيرنايت والقرفة من سريلانكا، والذهب والحرير والبورسلان من الصين، والفضة من اليابان، والخيل من بلاد العرب، والقطن من الهند.
وكان الإسبان أيضا يجوبون البحار، وأعطي القادة البحريون تفويضا من ملك إسبانيا بالحصول على التوابل والتفاوض عليها، ثم بدأت عمليات زراعة البهارات وإنتاجها في البلاد المستكشفة، ونقلت إلى أراض جديدة لم تكن تزرع من قبل.
وبدأت هولندا في القرن السادس عشر تتحدى البرتغال التي أصبحت رائدة أوروبا في تجارة التوابل من الشرق، وأنشأت أسطولا هائلا يتكون 65 سفينة، وهكذا فقد نشأت شركة الهند الشرقية في عام 1602، وبدأت البرتغال تخسر وتنسحب لمصلحة هولندا، ثم بدأ الإنجليز يصعدون إلى المشهد العالمي التجاري والاستعماري، ولحقت أيضا فرنسا والدنمارك، واشتعلت حرب تنافس طويلة ومعقدة بين الدول الاستعمارية.
ومع بدء الاستيطان في القارة الأمريكية الجديدة بدأت أيضا زراعة وإنتاج التوابل فيها، وبدأت عمليات تجارة واسعة بالعبيد ونقلهم إلى القارة الجديدة للعمل في الزراعة.
وبدأ الأوروبيون في القرن التاسع عشر بالتوسع في زراعة التوابل والشاي والقهوة واستنباتها في مناطق جديدة وبخاصة في إفريقيا وأمريكا بل في أوروبا، وانتشرت التوابل حول العالم، وباكتشاف الآلة البخارية وتطور أنظمة وتقنيات النقل في البر والبحر لم تعد التوابل طعاما غريبا محصورا في الطبقة الغنية، بل أصبحت منتجا يسهل حصول الجميع عليه.

القرن العشرون وما بعده
بدأت التوابل في القرن العشرين تتحول إلى اقتصاد ثانوي في أوروبا، وباستقلال الدول الآسيوية فقد بدأت تدير وتهيمن على مواردها وتصدرها إلى العالم، وتسيطر اليوم فيتنام والهند وإندونيسيا وسنغافورة على تجارة التوابل العالمية، لكن استهلاك التوابل تضاعف أضعافا كثيرة في العالم.
وتدير اليوم تجارة وإنتاج وتصنيع التوابل شركات متخصصة في الصناعة، والتجارة، وبدأت تظهر سلاسل من المنتجات الغذائية والأطعمة في الولايات المتحدة وسائر أنحاء العالم، مثل ماكدونالدز وكينتاكي وويندي وبرجر كينج وكرافت، وجنرال فودز، وهي شركات تستخدم كميات هائلة من التوابل، هذا إضافة إلى الاستخدامات المنزلية الواسعة، وأنشأ هذا الطلب الجديد سلاسل من الصناعات والمنتجات الجديدة وعمليات البحث والتقنية في مجال إنتاج الأطعمة والبهارات والتوابل.
ووصلت التوابل اليوم إلى أعلى مرحلة من مراحل بلوغها، فقد تنوع استخدامها عبر القارات في عدة مجالات تجارية غير الأطعمة، فمثلا تقوم شركة مولنتون بروان البريطانية لمستحضرات التجميل والعناية بالبشرة بإنتاج عطر مجفف ووسائل استحمام بمزيج بهارات مثل الزنجبيل والكمون والكزبرة، ما يعطي للعطر وصفة رجولية دون أن يكون ذا رائحة لاذعة.

التوابل تاريخ وثقافة
في الكثير من المناطق ذات المناخ الحار في العالم تكون التوابل المستخدمة حارة أيضا، ففي جنوب الهند والمكسيك وأجزاء من إفريقيا تقدم أطباق كثيرة مطبوخة بالتوابل اللاذعة التي تحرق اللسان، وتجعل الحاجبين يتعرقان، أما نكهات العالم العربي فهي مزيج من التوابل التي توقظ الشهية دون أن تحرم الناس من الرطوبة التي تحتاج إليها هذه الأراضي الصحراوية الجافة.
ونشرت دراسة في الولايات المتحدة تشرح الكثير حول الثقافات واستخدامها للتوابل، وأظهرت الدراسة أنه بعد تحليل 63 مطبخا وطنيا بالاعتماد على 4578 وصفة تقليدية مأخوذة من 93 كتاب طبخ، ثم اكتشاف أنه كلما كانت الدولة رطبة وحارة كان طعامها حارا، وبذلك توصل مؤلفا الدراسة بول شيرمان وجنيفر بيلنج إلى ضرورة الاعتماد على التوابل عندما تزداد خطورة فساد الأطعمة، وذلك لخاصيتها الطبيعية في تطهير الطعام والقضاء على الجراثيم، وكذلك كلما ازداد الاعتماد على التوابل قلت نسبة الديدان التي قد تزعج الصحة والمعدة.
وأظهرت الإحصاءات أن نحو 93 في المائة من الوصفات التي تمت دراستها تستخدم نوعا واحدا من التوابل، وكانت كل الوصفات القادمة من إثيوبيا وكينيا واليونان والهند وإندونيسيا وإيران وماليزيا والمغرب وتايلاند تحتوي على التوابل، وعندما درست وصفات الأطعمة في بلدان شمال أوروبا مثل النرويج وفنلندا لوحظ وجود التوابل في وصفة واحدة من أصل ثلاث وصفات.
وركزت إحدى النتائج القوية لهذه الدراسات على عادات الأكل المنكهة بالتوابل في اليابان وكوريا الواقعتين على خطوط عرض متشابهة، فوجدت أن الكوريين يستخدمون التوابل في طعامهم بنسبة تزيد بـ 50 في المائة عما يفعل اليابانيون، وكنيتجة لهذا كانت هناك حالات تسمم أكثر عند اليابانيين، فبالنسبة للكوريين كانت النسبة هي ثلاث حالات تسمم من أصل 100 ألف لدى الكوريين، في حين وصلت إلى 30 حالة تسمم من أصل 100 ألف لدي اليابانيين.

#2#

أخيرا قائمة سردية بالتوابل
يسرد المؤلف في نهاية الكتاب قائمة بالتوابل والنباتات الممكن تصنيفها كتوابل والمنتشرة في العالم، ومنها: الفلفل الحار، الفلفل الحلو، اليانسون، جوزة الطيب، الفلفل الأسود، الفلفل الأبيض، الهال، السنا، القرفة، الكزبرة، الكمون، الزنجبيل، والزعفران (أغلى أنواع التوابل).
وأخيرا فإن الكتاب رغم طرافة موضوعه وقربه من الاهتمام العام كان فوضويا في عرض الأفكار متعبا للقراء، وكانت عملية عرضه واستخلاص أفكاره عملية قاسية لا تتفق مع بساطة فكرته.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي