تخفيض ساعات العمل الأسبوعية
بادئ ذي بدء لست معارضا ولا مؤيدا لمقترح كهذا، ولكنني أود أن أبدي بعض الملاحظات التي أرجو أن يضعها في الحسبان أصحاب القرار في هذا الموضوع وكل من يتوقع أن يستفيد أو يتضرر منه.
أولا: إذا افترضنا أنه سيجرى تخفيض ساعات العمل الأسبوعية في القطاع الخاص من 48 ساعة إلى 40، فإن الأثر المباشر لذلك هو تخفيض هذه الساعات بمقدار 16.6 في المائة. وإذا افترضنا ثبات الأجر الشهري للعامل، فإن هذا يعني ارتفاع متوسط تكلفة ساعة العمل بمقدار 20 في المائة دفعة واحدة. أغلب الظن أن أكثر أصحاب الأعمال سيجدون ذلك كثيرا جدا. هناك ثلاث خيارات أمام الشركات. الأول هو تخفيض الأجر الشهري للعاملين بما يحافظ على متوسط تكلفة ساعة العامل كما هي. وخطورة ذلك أنه سيؤدي إلى سخط عام بين العاملين، وربما كان له أثر سلبي على إنتاجيتهم. الخيار الثاني هو تقبل الزيادة في متوسط تكلفة ساعة العمل، ولكن مع إرسال بعض العاملين إلى بيوتهم. وهذا قد لا يكون ممكنا دائما، فضلا عن أنه يفترض أن العاملين الباقين سترتفع إنتاجيتهم للتعويض عن تخفيض حجم العمالة. وربما حاولت الشركات على المدى البعيد التعويض بالآلات عن العمالة كلما أمكن ذلك. وهذه الإمكانية تختلف من قطاع إلى قطاع. ربما يقال: إن معظم العمالة في القطاع الخاص هي عمالة غير سعودية، فإن الأثر الاقتصادي والاجتماعي المترتب على العمالة السعودية عموما ربما يكون قليلا. ويجاب على ذلك أنه لما كان تنفيذ اقتراح كهذا سيزيد تكلفة العمالة كلها، سعودية وغير سعودية، وبنفس النسبة، فإن أصحاب المنشآت ربما يميلون أكثر من ذي قبل إلى تشغيل العمالة غير السعودية الأرخص. الخيار الثالث أن تتقبل الشركات الزيادة في متوسط تكلفة ساعة العمل وأن تبقى على عدد العاملين كما هو، مع محاولة تمرير الزيادة في التكلفة إلى زبائنها برفع أسعار منتجاتها. ولكن قدرة الشركات على زيادة أسعارها محكومة بدرجة التنافسية في القطاع الذي تعمل فيه. وأغلب الظن أن أكثر الشركات ستقبل شيئا من الزيادة في التكلفة وشيئا من الانخفاض في الأرباح. أي أن الزيادة في الأسعار قد لا تكون مساوية للزيادة في التكلفة، إلا أن قدرا من التضخم المدفوع بعامل زيادة التكلفة يمكن أن يحدث. Cost –Push Inflation
ثانيا: هذه الزيادة في التكلفة والانخفاض في الأرباح ربما يكون لهما أثر سلبي على المدى البعيد على جاذبية البلاد للاستثمار فيها وبالتالي قدرة اقتصادنا على توليد الوظائف. ما هو مقدار هذا الأثر؟ هذا أمر في علم الغيب. على أنه يتوقع أن تكون الشركات المتوسطة والصغيرة الأكثر تأثرا بزيادة تكلفة العمالة. فإن حدث هذا فسيكون له أثر سلبي على سعودة الوظائف.
ثالثا: الشركات التي يقوم نشاطها على التصدير إلى الخارج أو منافسة شركات خارجية تصدر إلينا ستكون أقل قدرة على استيعاب الزيادة في التكلفة، حيث إنها، وبسبب المنافسة الخارجية، ستكون أٌقل قدرة على رفع أسعار منتجاتها. هذه الشركات ستواجه منافسة شرسة من شركات بلدان ذات عمالة كثيفة بعيدة عنا كبعد الصين وإندونيسيا، وقريبة منا كقرب مصر وتركيا. وليس هناك من طريقة على المدى القصير لاستعادة تنافسية شركاتنا المصدرة إلا بتخفيض سعر صرف الريال السعودي. وهو أمر احتماله كاحتمال أن يرد الضب الماء!
رابعا: أن الزيادة المحتملة في تكلفة العمالة ليست العائق الوحيد أمام الاستثمار في المملكة، ولكن الارتفاع الشديد في أسعار الأراضي والإيجارات يكاد يخنق الاستثمار في القطاع الخاص. ولا يبدو أن هذه الأسعار تتجه إلى الانخفاض في المدى المنظور. فإذا اجتمعت الزيادتان، فإننا نكون قد وضعنا مزيدا من الملح على جروح لم تزل مفتوحة! يجادل البعض بأن ساعات العمل في بلدان كفرنسا وألمانيا أو حتى البرازيل هي ما بين 35 و40 ساعة في الأسبوع. ولكن هل تبلغ إنتاجية العامل عندنا ما تبلغه في تلك البلدان؟ ومن الطريف أن بلدا كاليونان يتجه إلى زيادة أيام العمل إلى ستة أيام في الأسبوع.
خامسا: لا يبعد أن يكون لتخفيض ساعات العمل أثر إيجابي على نفسيات العاملين وسلوكياتهم ولربما خفض من حاجة العامل للاستئذان لقضاء بعض حاجاته الخاصة. ولكن الموازنة بين التكاليف والمنافع لسياسة ما لا بد أن تخضع للقياس، والقياس يحتاج إلى تجربة، وهذان يحتاجان إلى وقت. أي أنه إذا أريد تنفيذ مقترح كهذا فإن من المستحسن إجراء تجربة على صناعة أو صناعتين في القطاع الخاص، ولمدة سنتين إلى ثلاثة. إن التدرج في التغيير سنة مأثورة. مرة أخرى فإنني لست ضد هذا المقترح ولا معه، ولكنني ضد اتخاذ قرارات تستند على العاطفة أكثر من استنادها إلى أساس علمي سليم.