جذب الاستثمارات للدول التي تشهد حراكاً سياسياً؟
قبل الحديث عن الاستثمارات في هذه الدول لا بد من معرفة الأهداف الاقتصادية للحراك السياسي الذي تشهده. من تتبع الأولويات المكتوبة والشعارات المرفوعة يمكن تلخيص هذه الأهداف أو المطالب بما يلي:
1 – إيجاد وظائف للعاملين التي وصلت نسبتهم بين الشباب إلى ما يزيد على 5 في المائة في بعض تلك الدول.
2 – الشفافية في إصدار القوانين وسن الأحكام والمساواة في التنفيذ.
3 – محاربة الفساد والمحاباة لشخص أو عشيرة أو منطقة أو شركة بعينها لما يسبّبه ذلك من عدم العدالة في توزيع الموارد وخلق شروخ اجتماعية قد تصبح مع الزمن أسباباً أساسية لصراعات داخلية وحروب أهلية.
4 – فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية لضمان استقلالية القضاء وحيادية أحكامه.
5 – حوكمة أفضل للمؤسسات والشركات العامة والخاصة.
وفي حالة تلكؤ في تنفيذ هذه المطالب والأهداف، فإن هناك رقابة شعبية مباشرة أو عبر المؤسسات الموضوعة لحمايتها وردع من يعتدي عليها.
إن هذه المطالب لو تحققت ستكون أفضل جاذب للاستثمار بشتى أشكاله الوطنية والأجنبية. لكن تحقيق هذه الأهداف بصورة مرضية يتطلب الكثير من الجهود والمساومات والآلام، وإنشاء العديد من المؤسسات الجديدة، وتعديل بعض القوانين وإصدار قوانين جديدة. كل ذلك سيستغرق الكثير من الوقت في ظل أعصاب مشدودة وحسابات مفتوحة.
وإذا نظرنا لاقتصادات الدول العربية التي تشهد حراكاً سياسياً نجد أنها تواجه تحديات كبيرة. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي (نشرت في الربع الثالث من عام 2012م) أن التحرُّك الاقتصادي للدول العربية التي تشهد حالياً حراكاً سياسياً قد كان سالباً بنسبة 2 في المائة عام 2012م. ويتوقع التقرير أن معدل النمو منخفض جداً في هذا العام (2012م) والعام الذي يليه في كل الدول التي شهدت هذا الحراك فيما عدا ليبيا. ويعود هذا الانخفاض إلى الأسباب التالية:
- انخفاض صادرات تلك الدول بسبب التباطؤ الحالي الذي يشهده الاقتصاد العالمي.
- انخفاض الاستثمار الداخلي والخارجي بسبب الأوضاع السياسية غير المستقرة.
- زيادة أسعار الواردات نتيجة ما تشهده السوق العالمية وعلى الأخص أسعار الغذاء والوقود.
في ظل هذا الوضع كيف يمكن تشجيع الاستثمار بشقيه الداخلي والخارجي.
بداية إن مثل هذه التحديات هي التي تخلق الفرص. فالاستثمارات الناجحة هي تلك التي استطاعت استغلال الظروف المواتية. وعلى المستثمر أن يبتكر ويبتعد عن النمطية. فالمنتجات والفنادق قد لا تكون من الاستثمارات الواعدة في ظل الأوضاع الجديدة.
أن الوضع الحالي يقتضى أن تلعب الدول الجديدة دوراً رائداً في تحريك الاقتصاد في ظل أوضاع غير مستقرة وذلك بسن القوانين المحفزة للاستثمار وتقديم كل التسهيلات للمستثمرين من الداخل الخارج وتوفير التسهيلات المالية والإدارية لهم وجذب الموارد من المانحين بما في ذلك مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية. وفي هذا الصدد لا بد من التأكيد على النقاط التالية:
* ينبغي أن يكون دور الدولة قائداً ومحفزاً وليس شريكاً. فالمستثمر لا بد أن يشعر أن الدولة تساعده لا تنافسه.
* على القادة الجدد والحكومات الجديدة أن تمتنع عن اتخاذ أي قرارات تنفر المستثمر، كما حصل لبعض الاستثمارات الخليجية في إحدى دول الحراك السياسي. كما أن عليهم حل مشكلات بعض الاستثمارات الحالية التي تعرّضت لصعوبات نتيجة لتعسف الحكومات السابقة.
* لا بد أن تبذل الحكومات الجديدة جهوداً غير عادية لمعرفة طرق عمل وإجراءات المؤسسات الإقليمية والدولية المتخصّصة في العون الإنمائي، وتحسين العلاقة معها والاستفادة من خبراتها ومواردها المالية.
* تتعرّض موارد مؤسسات التمويل الدولية للاستنزاف بفضل أزمة الديون السيادية والأوروبية. كما أن مؤسسات التمويل الإقليمية لم تشهد تجديداً لمواردها منذ أمد طويل رغم الاحتياجات المتزايدة لبعض أعضائها. وتمتنع المصارف الدولية حالياً عن الإقراض بسبب أوضاعها المالية المتردية وعدم رغبتها في أخذ مخاطر جديدة. وفي الوقت نفسه هناك فائض في السيولة على المستويين الإقليمي والدولي. ويمكن للحكومات الجديدة إصدار صكوك للاستفادة من السيولة الحالية في المنطقة وعلى مستوى العالم. ولدى هذه الحكومات وشركاتها أصول يمكن استخدامها في إصدار هذه السندات.