الإصلاح الإداري.. عملية دؤوبة لا تتوقف

لطالما كنت أقول في نفسي وأمام الآخرين إن الإصلاحات التي يجريها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - رعاه الله - إصلاحات ''جذرية''، لا يمكن الاستعجال بنتائجها، فتلك الإصلاحات بكل أبعادها السياسية والاقتصادية حتى الإدارية تعيد هيكلة كيان الدولة بصورة شاملة، لتعبر عن رؤية القائد وتتماشى مع تطلعات الأجيال الحالية والقادمة.
وفي غمرة الاحتفال بالذكرى الثامنة لبيعة خادم الحرمين الشريفين، نؤكد أن الإصلاح الإداري أخذ مسارا مختلفا في عهده المبارك، وذلك بالتركيز على غايتين هما: القضاء على الفساد، والحد من البيروقراطية للوصول إلى الهدف الأكبر: تحقيق التنمية.
إذ أجرى الملك عبد الله – حفظه الله - العديد من الإصلاحات الإدارية من خلال دعمه اللامحدود لـ ''اللجنة العليا للتنظيم الإداري'' التي تضم عددا من الوزراء، المكلفين بتنفيذ ''مشروع التنظيم الإداري للأجهزة الحكومية''، وهو مشروع وطني متكامل يسعى إلى تحقيق أهداف إعادة هيكلة الحكومة السعودية من خلال:
- رفع كفاءة وفاعلية الأداء في الأجهزة الحكومية.
- تطوير الأنظمة واللوائح المالية وخفض وترشيد تكاليف أداء العمل الحكومي.
- تطوير الأنظمة واللوائح الوظيفية وتفعيل تطبيق مبدأ الجدارة في التوظيف.
- رفع مستوى أجهزة الرقابة والمساءلة الإدارية.
- خصخصة أقصى ما يمكن من الخدمات الحكومية.
- إدارة ما يلزم إدارته من النشاطات الحكومية بأسلوب الإدارة التجارية.
- التوسع في إدخال أنظمة الحاسب الآلي بكثافة في الأجهزة الحكومية.
ولأنني مقتنع بأن ''التنمية'' هي الوجه الاقتصادي للإدارة، فمن خلال ''الإدارة الحسنة'' التي تتحكم في الموارد البشرية والمالية والمادية، يتم تحويل ذلك إلى خدمات ومنتجات يتمتع بها المواطنون.
وفي هذه الذكرى الطيبة، نشيد بدور ''اللجنة العليا للتنظيم الإداري''، وندعوها إلى أن تواصل مساعيها المحمودة في طرح مبادرات إدارية وتنظيمية، يتم من خلالها إكساب القطاع العام الرشاقة وتخليصه من الترهل سعيا لتحقيق الأهداف المذكورة في خطط التنمية الخمسية، وهي الخطط التي يفترض أن تكون ''المرجعية الأولى'' لكل الاستراتيجيات والخطط الحكومية، وبالتالي تتوازى الفروع مع الأصل لا أن تتعارض معه، ومن تلك المبادرات:
- التوجه نحو
مزيد من عمليات دمج الوزارات والأجهزة الحكومية: أن يكون تقارب الاختصاصات هو المعيار الأساسي لدمج الكيانات الحكومية، فعلى سبيل المثال، يمكن دمج الأجهزة الرقابية ''المبعثرة'' لتنضوي تحت مظلة ''الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد''، ويمكن دمج وزارتي العمل والخدمة المدنية لتشكيل وزارة الموارد البشرية، ودمج المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية مع المؤسسة العامة للتقاعد، ودمج شركتيهما الاستثمارية، وما يترتب على ذلك من إصدار نظام موحد للعمل ونظام موحد للتقاعد يطبقان على القطاعين العام والخاص، كما يمكن دمج أربع وزارات تخدم توجهنا نحو الاقتصاد غير النفطي (التعليم العالي، التجارة والصناعة، الاتصالات وتقنية المعلومات، الثقافة والإعلام)، لتشكيل ''وزارة للاقتصاد المعرفي''، والاكتفاء بهيئات تشرف على المجالات الأربعة، وتتمتع بالمرونة الإدارية والمالية، يديرها محافظون يرتبطون بوزير واحد يمثلهم أمام مجلس الوزراء.
- تحقيق التنمية المتوازنة عن طريق إعادة هيكلة ميزانية الدولة على أساس احتياجات المناطق وليس احتياجات الوزارات، من خلال التحول من موازنة البنود (التقليدية) إلى موازنة البرامج أو موازنة الأداء، مع إعادة النظر في تحصيل إيرادات الدولة، بحيث يذهب جزء من الإيرادات (كرسوم البلديات وغراماتها) إلى خزانة المنطقة، بدلا من أن يذهب كل الإيراد إلى جهة مركزية واحدة (وزارة المالية)، على أن تتوازى مع اللامركزية المالية لامركزية إدارية تكفل منح صلاحيات لفروع الوزارات والأجهزة الحكومية في مختلف مناطق المملكة، مع ضرورة تحديد اختصاصات واضحة لـ ''مجالس المناطق'' المرتبطة بوزارة الداخلية، والمجالس البلدية'' المرتبطة بوزارة الشؤون البلدية والقروية، والأفضل دمجها في مجالس واحدة ذات مهام وأهداف واضحة.
- توثيق حالات الإصلاح الإداري: من الضروري أن يعرف المهتمون بالإدارة السعودية من المؤرخين والباحثين والدارسين، الطرق التي تمت بها عمليات الإصلاح الإداري في بلدنا، فمثلا نريد أن نعرف لماذا وكيف ألغيت وزارة الصناعة والكهرباء، وما ترتب على نقل نشاط الكهرباء إلى وزارة المياه، ونقل نشاط الصناعة إلى وزارة التجارة؟ لماذا وكيف أنشئت هيئة عامة للرقابة الغذائية والدوائية؟ فكثير من الأجهزة الحكومية أنشئت من العدم أو ألغيت من الوجود أو دمجت مع غيرها أو تحولت من شكل إلى شكل.. ونحن نجهل الكيفية التي درست بموجبها ''اللجنة العليا للتنظيم الإداري'' حالة الجهاز الحكومي المراد إعادة تنظيمه، مع أنه لو نشرت اللجنة الوثيقة (دراسة الحالة case study)، لأتيح لكل المهتمين في الإدارة أن يطلعوا على حالات واقعية وطنية في التنظيم والإدارة، يمكن أن تدرس في كليات الإدارة في جامعاتنا السعودية، بدلا من تدريس طلابنا تجارب غيرنا.. ومعظمها تجارب قديمة!
- تعزيز التواصل مع أفراد المجتمع: يمكن للجنة إتاحة الفرصة للمواطنين والمهتمين بالإدارة للإدلاء بمقترحاتهم حول إعادة تنظيم الأجهزة الحكومية أو إعادة تنظيم عمليات/إجراءات العمل فيها، فلا يمنع أن نسمع فكرة بسيطة من مواطن قد تتحول بعد دراسة اللجنة إلى مشروع وطني كبير.
نعول كثيرا على جهود ''اللجنة العليا للتنظيم الإداري''، ومعها هيئة الخبراء ومعهد الإدارة العامة، فهؤلاء ''الجهابذة الإداريون'' يحملون ''رسالة'' لإعادة هندسة قطاعنا الحكومي، ذلك القطاع الذي يجب عليه أن يمتلك القوة واللياقة الكافيتين لتنفيذ الرؤية التي وضعها قائد الإصلاح تنفيذا عاليا لا يخيب الآمال.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي