الإنسان .. مجرد جينات
تؤكد الاكتشافات الجديدة في مجال أبحاث الجينات أنها المسؤولة عن جميع صفات الإنسان، ليس فقط الشكلية وإنما صفاته السلوكية بدءا من نزعته للتدين وميوله الفنية ومزاجه النفسي واستعداده للإصابة بالأمراض الخبيثة، وهي صفات يولد بها الإنسان.
تركز ''لوري فلين'' رئيسة جمعية حماية المرضى العقليين الأمريكية جهودها حالياً في محاولة إقناع أعضاء الكونجرس بمعارضة مشروع قانون جديد لحظر إنفاق الأموال الحكومية على المصابين بهذه النوعية من الأمراض، مستعينة في ذلك بكل السبل المتاحة من توزيع المنشورات وعرض الشرائح الملونة وصور الأشعة لإثبات أن هذه الاضطرابات تحدث داخل المخ، وأنه يمكن الشفاء منها باستخدام الأدوية والعقاقير مثل بقية الأمراض.
توضح ''لوري فلين'' في معظم المحاضرات التي تلقيها أن الأمراض العصبية والنفسية لها أساس عضوي وليست أوهاماً وضلالات كما ينظر إليها الآن، وأن هناك علاقة تربط بين الظاهرة المرضية والاجتماعية وبين أسبابها البيولوجية دون غيرها، الأمر الذي يبدو كأنه بداية لعصر ثقافي يعتمد علم الأحياء ونتائج المختبرات العلمية كمصدر رئيسي للقيم والمفاهيم.
وتؤكد الأبحاث التي تنشر كل يوم أهمية الجينات أو المورثات في كشف العلل والأمراض التي طال البحث عن أسبابها خلال العقود الماضية. ونتائج هذه الأبحاث تحمل في مجملها ما يشبه النبوءة أو الحكم القطعي بأن كل شيء موجود داخل تلك الشبكة المعقدة من المعلومات في نواة الخلية التي توضح بالتفصيل ميول الإنسان ونزعاته واحتمالات إصابته بأمراض خبيثة أو إدمان العقاقير والمخدرات.
وعلى المستوى السياسي أيضاً، لوحظ أن المجتمعات التي تواجه صعوبات في التعامل مع قضايا مثل زيادة أعباء ميزانيات التأمين الصحي (خاصة في مراحل الشيخوخة) وجدت في الاكتشافات الجديدة مبررات لإعادة صياغة برامجها بما يتلاءم مع ''ثقافة البيولوجيا'' القادمة التي ربما لم تستكمل ملامحها بعد.
والمثال الأبرز في المجتمع الأمريكي على التحول إلى ثقافة البيولوجيا هو دعوة ''فريدريك جودوين'' مدير المعهد القومي الأمريكي للصحة النفسية قبل سنوات طويلة لدراسة ظواهر العنف بين المراهقين باعتبارها نتيجة اضطرابات بالجهاز العصبي ويمكن علاجها بالأدوية والعقاقير.
والطريف أنه بعد قيام الباحثة الأمريكية ''ألكسندرا بيكفيلد'' بتقديم دراستها حول علاقة النزوع للجريمة بالجينات، تلقت سيلاً من المكالمات الهاتفية من محامين في محاولات لإنقاذ موكليهم من الإدانة في جرائم قتل واستخدام العنف.