مصدر تزايد الإمدادات في المستقبل

متى سيصل الطلب العالمي على النفط إلى ذروته، غير مؤكد إلى حد كبير، وموضع نقاش كثير. لكن، ما ينبغي ألا يكون فيه شك هو أن الطلب سيصل إلى ذروته يوما ما وأنه كلما ارتفعت أسعار النفط، اقتربت هذه الفترة. وخلال فترة التراجع الطويلة التي ستلي نقطة الذروة، مزيد ومزيد من النفط في العالم سيأتي من أماكن أقل، حيث إن بقاء أسعار النفط فوق مستويات تكاليف الإنتاج العالي التكلفة سيصبح أصعب وأصعب.
السعودية، العراق، الولايات المتحدة وروسيا اللاتي تسهم الآن بالفعل بأكثر من ثلث الإنتاج العالمي للنفط، أظهرت جميعها قدرتها على إضافة طاقات جديدة عند أسعار نفط قريبة من 50 دولارا للبرميل. فقط عدد قليل آخر من الدول يستطيع إدامة مستويات عالية من الإنتاج عند تلك الأسعار.
أكبر إمكانية لزيادة الطاقات الإنتاجية للنفط توجد حول منطقة الخليج العربي، وبالذات في السعودية، والعراق، وبدرجة أقل، إيران. لدى المملكة الآن نحو مليوني برميل في اليوم من الطاقات الإنتاجية الاحتياطية، وقد تحدث بعض المعنيين مرة أخرى أخيرا حول احتمال رفع طاقات الإنتاج الإجمالية إلى 15 مليون برميل في اليوم. العراق لديه خطط على المدى المتوسط لرفع إنتاجه إلى ستة ملايين برميل في اليوم من نحو 4.6 مليون برميل في اليوم الآن. إيران تريد أيضا زيادة الإنتاج إلى 4.6 مليون برميل في اليوم من نحو 3.75 مليون برميل في اليوم حاليا. إجماليا تخطط منطقة الخليج العربي إلى إضافة نحو ستة ملايين برميل في اليوم من الطاقات الجديدة.
وفي الآونة الأخير وصل الإنتاج الروسي إلى أكثر من 11 مليون برميل في اليوم وهو مستمر في الارتفاع، ببط ولكن بثبات، حتى عندما انخفضت أسعار النفط دون 40 دولارا وعندما فرضت أوروبا والولايات المتحدة حصارا على تزويدها بتقنيات الحفر والإنتاج الحديثة. لكن ليس من الواضح كم ستستطيع أن تنمو من دون تحرك كبير نحو موارد القطب الشمالي غير التقليدية، التي قد يكون من الصعب تطويرها دون الحصول بحرية على تقنيات الغرب المتطورة في هذا المجال. مع ذلك، تشير التجربة السابقة إلى أنه من الخطأ أن نفترض قيودا فورية لنمو النفط الروسي.
كازاخستان، التي تعتبر ثاني أكبر مساهم في إنتاج "الاتحاد السوفياتي السابق"، من المحتمل أن تشهد ارتفاعا كبيرا في الإنتاج خلال العام المقبل، حيث إن حقل كاشاجان العملاق بدأ أخيرا بالإنتاج بعد سنوات من التأخير. ولكن إمكانات النمو أبعد من ذلك مشكوكا فيها، نظرا لارتفاع تكاليف التطوير في البيئة القاسية للبلاد.
مستقبل الإنتاج في الولايات المتحدة صعب التقدير، حيث إن النمو الكبير في إنتاجها خلال السنوات 2011 - 2013 انخفض مرة أخرى وأصبح في السالب عندما تراجعت أسعار النفط دون 40 دولارا للبرميل. لكن، على ما يبدو أن إنتاج السوائل الهيدروكربونية عاد بالفعل إلى الارتفاع. وبدأ الحديث مرة أخرى عن زيادات سنوية في حدود مليون برميل في اليوم إذا ما بقيت أسعار النفط عند أو فوق 50 دولارا للبرميل.
في المقابل، إنتاج الدول الإفريقية في انخفاض، وستتسارع وتيرة التراجع إذا لم ترتفع الاستثمارات من جديد. في هذا الجانب، توقع وود ماكينزي، تراجع إنتاج النفط من جنوب الصحراء الإفريقية نتيجة تراجع معدلات الاستثمار أخيرا، خصوصا من نيجيريا وأنجولا، من نحو 4.6 مليون برميل في اليوم الآن إلى 2.6 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2030. الإنفاق قد يرتفع إذا استقرت الأسعار فوق 50 دولارا للبرميل، ويبدو هذا مرجحا الآن. ولكن الأمر سيستغرق تحولا كبيرا لتحريك معدلات النمو إلى الجانب الإيجابي، فوق 4.6 مليون برميل في اليوم.
في ليبيا ممكن أن نرى بعض المكاسب في الإنتاج إذا ما تم التوصل إلى اتفاق نهائي، ولكن الإنتاج من بقية دول شمال إفريقيا قد يستمر يعاني. الصورة مشابهة من ناحية عدم اهتمام المستثمرين في قطاع الاستكشاف في آسيا، من الصين عبر جنوب شرق آسيا، إلى الهند. بحر الشمال، برهن أيضا أنه غير قادر على جذب استثمارات جديدة كبيرة عند أسعار دون 50 دولارا للبرميل. سرعة تغير هذا الحال الآن، إذا حصل، هو موضع شك.
في أمريكا اللاتينية، الإنتاج الفنزويلي في انخفاض، لا ارتفاع الأسعار ولا تحسن المناخ السياسي من المرجح أن يجلبا الاستثمارات مرة أخرى إلى حزام أورينوكو للنفط الثقيل جدا في أي وقت قريب، بسبب ارتفاع التكاليف والقيود البيئية. ليس من المتوقع أيضا أن يعكس تحسن الوضع الأمني الداخلي في كولومبيا تراجع الإنتاج الحالي. المكسيك، حتى في نطاق أسعار عند 50 دولارا للبرميل أصبحت محط أنظار شركات النفط العالمية. ولكن هدف الحكومة المعلن هو وقف التراجع الحالي في الإنتاج. من غير المرجح أن تحقق المكسيك مكاسب كبيرة في الإنتاج. البرازيل بالتأكيد لديها موارد كافية لزيادة الإنتاج ويمكن أن تعوض خسائر الإنتاج في أماكن أخرى في المنطقة.
لذلك على مدى العامين الماضيين من انخفاض الأسعار، تعلمت الصناعة أين هي الأماكن التي تزدهر أو التي تتدهور فيها عمليات التنقيب عن النفط في ظل أسعار نفط حول 50 دولارا للبرميل. كما أن تجربة العامين الماضيين لم تشهد أي انخفاض سريع في الإنتاج. حتى في أعقاب تراجع الإنفاق على المشاريع الاستخراجية بنحو 50 في المائة على مدى العامين الماضيين، من المحتمل أن تتمكن منطقة الخليج العربي، روسيا والولايات المتحدة من تعويض الانخفاضات في الأماكن الأخرى وتلبية الطلب على النفط خلال السنوات المقبلة ـــ خصوصا إذا لم يكن هناك نمو كبير في الطلب.
ماذا سيحدث للطلب على النفط، ناهيك عن العرض، إذا استقرت أسعار النفط فوق مستوى 50 دولارا للبرميل، خاصة إذا ما ارتفعت من جديد إلى فوق هذا المستوى؟ تكاليف طاقة الرياح والطاقة الشمسية في تراجع كبير وقد تشكل تهديدا مباشرا للنفط، وتكاليف السيارات الكهربائية تتهاوى هي الأخرى وقدراتها ترتفع. كما أن تحسين كفاءة استخدام الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي يحدان في الوقت نفسه من ارتفاع استهلاك جميع أنواع الطاقة.
لذلك ليس مستبعدا تماما أن يصل نمو الطلب على النفط إلى ذروته في غضون بضع سنوات، بدلا من عدة عقود، مثلما يفترض معظم المختصين. في الوقت نفسه، ارتفاع الأسعار قد يؤدي إلى إطالة العمر الافتراضي لبعض المناطق الأكثر تكلفة في العالم، ما قد يؤدي إلى زيادة الإمدادات وإمكانية ارتفاع الفائض.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي