المسؤولية في الاستهلاك .. قضية مَن؟

تعمل حكومتنا الرشيدة على معالجة الوضع الاقتصادي الناشئ عن انخفاض أسعار النفط بشكل مستدام لتتجنب بلادنا المملكة العربية السعودية الآثار السلبية المترتبة على التقلبات في أسعار النفط العالمية، ومن تلك الإجراءات العلاجية برنامج التوازن المالي.
ولا شك أن غاية برنامج التوازن المالي ـــ الذي يأتي كجزء من الإصلاحات المالية ـــ أكثر من مهمة وحيوية وسامية أيضا إذ تجنب بلادنا تراكم الديون وفوائدها وما يترتب عليها من مشاكل حيث يهدف البرنامج إلى تحقيق ميزانية متوازنة بحلول عام 2020 من خلال عدة محاور تستهدف تعزيز استدامة الإيرادات الحكومية من خلال تنمية الإيرادات النفطية، وتحسين وترشيد الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي، إلغاء الإعانات غير الموجهة وتمكين المواطن من الاستهلاك بمسؤولية، إضافة إلى استدامة النمو الاقتصادي في القطاع الخاص، وكذلك دعم القطاع الصناعي.
جميع المحاور مهمة إلا أنني التفت بصيغة التساؤل إلى محور "تمكين المواطن من الاستهلاك بمسؤولية"، فالمسؤولية قيمة أخلاقية محورية تدفع الإنسان نحو السلوك السوي أيا كان موقعه فكلنا راع وكل مسؤول عن رعيته، ومن أهم أسباب هدر الموارد وإضاعة الفرص وتوليد المشاكل وتفاقمها كما يبدو لي غياب أو ضعف روح المسؤولية لدى كثير من المواطنين بجميع مواقعهم سواء كانوا في موقع تقديم الخدمة أو في موقع تلقيها أو استهلاكها.
في أحد المتنزهات البرية الجميلة جلست مع أفراد أسرتي ورأيت كيف تحول المنتزه خلال عدة ساعات لساحة نفايات كما رأيت الإسراف في الطعام والشراب، وعندها قلت إننا كمواطنين لم نتحمل مسؤوليتنا تجاه نظافة هذا المتنزه الذي سنعود إليه، كما أننا تركنا كميات كبيرة من الطعام في أماكننا دون الإحساس بالذنب لأننا أسرفنا ولم نعمل بقول الله تعالى "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين"، ودون إحساس بالذنب لأننا رمينا الأذى بدل أن نميطه "إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان" رغم أن الدين الإسلامي المكون الرئيس لثقافتنا.
تحمل الدولة تنظيف الأماكن التي يمكن أن تبقى نظيفة لو أن المواطن تحمل مسؤولية أمر غير منطقي، ورفع أسعار المواد الغذائية وغيرها على المواطن نتيجة الإسراف في الاستهلاك بصورة ترفع الطلب عليها مقابل المعروض أمر غير مقبول ويجب أن يتحمل المواطن مسؤوليته في هذا الشأن ولا يشتكي من الغلاء الذي هو سبب رئيس فيه.
الاستهلاك غير المنطقي للكهرباء والماء والبنزين والمواد الغذائية المدعومة وغيرها رفع الفاتورة على الدولة وأسهم بصورة أو بأخرى في عجز الموازنة الأمر الذي دفع الدولة للتفكير في معالجة تكاليف الدعم الكبيرة التي وصلت لمئات المليارات، ولا شك أن المستهلك غير المسؤول سواء كان مواطنا أو مقيما أسهم في رفع فاتورة الدعم ودفع بالحكومة للتفكير بمسألة رفع الدعم لتخفيف الاستهلاك الكبير، وبذلك استخدمت الدولة أداة التسعير لدفع المواطن لخفض الاستهلاك بإسراف دون شعور بالمسؤولية تجاه نفسه والآخرين والدولة.
المثالان السابقان يوضحان لنا أن تمكين المواطن من الاستهلاك بمسؤولية هو مسؤولية مشتركة إلا أن العبء الكبير يقع على الدولة انطلاقا من التعليم حتى فرض الغرامات والضرائب والعقوبات مرورا بإطلاق الحملات التوعوية ودعم جهود مؤسسات المجتمع ومن ذلك الجهود التطوعية التي تسهم في دعم وتوجيه المواطن للاستهلاك بمسؤولية.
نبدأ بالتعليم، حيث نلاحظ أن الطالب يتخرج من التعليم العام بعد أن يقضي فيه 12 عاما على أقل تقدير لا يدرك الكثير من القيم ومفاهيمها ولا يتقن مهاراتها ومن ذلك قيمة المسؤولية ومفاهيمها ومهاراتها، ومن ذلك الاقتصاد في الاستهلاك وعدم التبذير والإسراف، ومن ذلك قيمة النظافة والعطاء والصبر والاحترام إلى غير ذلك من القيم الدافعة نحو السلوك القويم ومفاهيمها. ونتيجة لذلك نرى الاستهلاك غير المسؤول، كما نرى السلوكيات غير السوية في الشوارع، والمرافق العامة، والمتنزهات، وفي التعامل مع الآخر داخل البلاد وخارجها.
نأخذ مسار الحملات التوعوية سنجد أنها نادرة جدا، وإن وجدت فهي عشوائية وغير مخططة بعلمية ومتقطعة وغير مستمرة وليست تراكمية ولذلك نجد سلوكيات غريبة وغير منطقية والمحزن أن فاعلها لا يعلم أنها خطأ بل ربما يظن أنها صحيحة 100 في المائة وهكذا يجب أن تورد الإبل، ولنا في انخفاض مستوى الوعي المروري مثال، وكذلك في مستوى الوعي الاستهلاكي، والوعي بالنظافة وأهميتها في المحافظة على البيئة فضلا عن كونها سلوكا إسلاميا محمودا يؤجر فاعله.
تمكين المواطن من الاستهلاك بمسؤولية إذا أخفق التعليم وأخفقت أو ضعفت برامج التوعية يكون بقوة النظام من خلال فرض عقوبات مالية وجسدية، ولذلك سنت الدول الغرامات المالية على المخالفين كما فرضت الضرائب على الاستهلاك الذي يفوق متوسطات الحاجة، وضرائب على استهلاك السلع غير المفيدة والضارة، وسلع المظاهر، وهذا المسار كما يبدو لي نشطت الدولة في تفعيله بشكل واضح وكبير لتمكين المواطن من الاستهلاك بمسؤولية، ولقد لمس المسؤولون في الكهرباء والماء في صيف العام الماضي بعد رفع فاتورتي الكهرباء والماء انخفاض الضغط وقت الذروة ما يعني أن سياسة رفع الأسعار بمنطقية دفعت المواطن للاستهلاك بمسؤولية.
اطلعت على تغريدة مفادها أن الموزعين المحليين للمشروبات الغازية التي تضافرت القرائن الصحية على ضررها اتجهوا لتغذية السوق بأحجام 330 مليمتر لنية إيقاف أحجام 355 مليمتر بالسعر نفسه وذلك لمواجهة ضريبة السلع الانتقائية التي ستفرض بنسبة 50 في المائة على سعر بيع المشروبات الغازية، ولا شك أن هذا الإجراء يثبت أن الضريبة دفعت الشركات لتمكين المستهلك من الاستهلاك بمسؤولية.
ختاما، الاستهلاك بمسؤولية قضية مهمة وحيوية وحاسمة في موازنة الأسرة كما الدولة سواء بسواء، ولا شك أن مسؤولية المواطن كبيرة لتحقيق ذلك إلا أن مسؤولية الدولة أكبر حيث إنها المسؤولة عن توعية المواطن لتعزيز الدوافع الداخلية ومسؤولة عن تفعيل المؤثرات الخارجية كالأسعار والضرائب والعقوبات لتحفيزه بشكل أكبر للالتزام بالاستهلاك بمسؤولية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي