العولمة التجارية تحتضر
بعد أن قطعت العولمة التجارية شوطا كبيرا في تحقيق تحرير التجارة وإزالة القيود على تداول السلع وتقديم الخدمات وتحويل الأموال والاستثمار، وتم إنشاء منظمة التجارة العالمية، التي ضمت معظم دول العالم التجاري والصناعي في اتفاقيات ملزمة، فإن ما يحدث من مصاعب للاقتصاد العالمي يهدد العولمة ويعطي الانطباع بتحول قوي نحو الانغلاق والحماية للاقتصادات الوطنية، وهو شعور لم يأت من فراغ، حيث كانت التصريحات والبيانات التي تم تبادلها بين صانعي القرار عبر الأطلسي تؤكد وجود مخاوف من استمرار الانفتاح التجاري مع دول منافسة أو ناشئة في ميدان التصنيع والإنتاج.
والسؤال الأهم عن حجم الخسائر التي ستلحق بالشركات العالمية التي تتجاوز بنشاطها الحدود بين الدول بل تستفيد من إزالة العوائق التي كانت تحد من نشاطها، وتخشى اليوم أكثر من أي وقت مضى من إجراءات وقائية مماثلة أو مقاطعة لمنتجاتها وخدماتها، كرد فعل من الحكومات أو المنظمات الوطنية التي اتخذت مواقف مضادة من الإجراءات الحمائية، وهو موقف قد تشجع عليه الشركات والمؤسسات الوطنية التي تريد استعادة السيطرة على السوق المحلية وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وحرمان تلك الشركات العالمية من حصصها السوقية التي تضمنها الاتفاقيات المتعلقة بتحرير التجارة العالمية.
ولا يمكن الفصل بين الاستقرار والسلم الدوليين وأوضاع التجارة البينية العابرة للحدود، حيث تؤثر القرارات التي تتخذها الحكومات المتعاقبة بمختلف توجهاتها بين يمين ويسار وتنافس حزبي خصوصا في الدول الأكثر تأثيرا، في قطاع المال والأعمال على المستوى الدولي، وما يحدثه ذلك من تغييرات في المواقف الصعبة التي تمر بها كل دولة من الدول الأعضاء في المنظمة، وإذا كانت المؤشرات السوقية بمنزلة البوصلة فإن المؤشرات التي صاحبت تغير الإدارة في الولايات المتحدة تخفي وراءها عدم القناعة بكل ما تم تبنيه في الماضي القريب من شراكة استراتيجية تجارية حتى مع أقرب الحلفاء عبر الأطلسي، وهو ما يؤكد أن هناك مفاجآت ليس أقلها المساومة على حقوق أفضلية، أو الانسحاب من اتفاقية التجارة العالمية وغيرها من الاتفاقيات الموقعة بين الدول الصناعية على سواحل الأطلسي.
هناك معضلات مالية كبيرة تواجه الاقتصاد في الدول الرائدة، وليست الحلول المناسبة في أيدي من يستطيعون فعلا إخراج الدول من أزمتها الحالية، لكنها في أيدي من لا يملكون الحلول بقدر ما يثيرون مشكلات جديدة ستكون عبئا على الإدارة ومن ثم الاقتصاد بشكل عام، ليكتوي بنارها المستهلكون في عالم، يديره رجل أعمال يؤمن بأن يأخذ كل شيء، أو يترك الصفقة لغيره، وهذا الأسلوب وإن كان يناسب التاجر في أعماله التجارية، إلا أنه لا يمكن أن يكون مقبولا في الدبلوماسية بين الزعماء، حيث تكون مصلحة السوق والتجارة الخارجية والداخلية هي الهدف، وهي التي يجب أن تستمر لأنها شريان الحياة للآخرين.
وفي كل يوم من الآن فصاعدا علينا أن نتوقع نشوب خلافات تجارية كبيرة بين الكبار الذين أسسوا لتحرير التجارة، ومن المتوقع أيضا أنه في حال تحقق ذلك فإن القيود لن تعود كما كانت بل ستعود أكثر تشددا وأكثر رفضا للمنتجات غير الوطنية، بل إن المكسيك وهي ترتبط مع الولايات المتحدة بأكثر من مجرد العلاقات التجارية بدأت تعبر عن رفضها للبضائع الأمريكية وكل ما يتم تسويقه تحت علامة تجارية أمريكية، وهو ما يهدد بخسائر كبيرة ستذوق مرارتها الحكومات والشركات والمستهلكون.
ولأن النشاط التجاري يتأثر سريعا بالأحداث بل حتى ما قبل الأحداث، فإن استمرار التباين الكبير في سياسات الدول المؤثرة في الأوضاع العالمية سيؤثر في تحرير التجارة، وقد تصبح منظمة التجارة العالمية مجرد مبنى لا يمثل سوى رمز من رموز التعاون الدولي، الذي لم يكتب له النجاح، في ظل خلافات صانعي القرار العالمي.