الاختيار بين التعاون والأزمة «2 من 2»

يرصد الجزء الثالث من كتاب داونتون صعود الإجماع "العالمي المفرط" و"الليبرالي الجديد" في واشنطن. ومع تحول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى وكيلين للعولمة، تم إنشاء منظمة التجارة العالمية، وانتشرت رأسمالية الاحتكار واقتصادات الربح، ووصلت إلى عمق الاتحاد الأوروبي.
يبدأ الجزء الأخير من رواية داونتون بالأزمة المالية في 2008، ويستكشف التهديدات التي تواجه النظام العالمي القائم. ثم يقترح داونتون مجموعة من المسارات المحتملة نحو "رأسمالية أكثر عدالة وشمولا"، بما في ذلك إنفاذ قوانين المنافسة بشكل أكثر صرامة، وفرض ضرائب تصاعدية، ومبادرات التوظيف، وتسوية الأوضاع المالية، وإلغاء التمويل، وتنفيذ صفقة خضراء جديدة.
يركز الكتاب على موضوع رئيس يتمثل في الطبيعة المثيرة للجدل للتعاون الدولي. في وقت مبكر، علمنا أنه في الثلاثينيات من القرن الماضي، قامت مجموعة من المستشارين المقربين للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، بتقديم عدد كبير من وجهات النظر المتضاربة بشأن السياسة الاقتصادية الخارجية. ولم تبدأ الحمائية وعدم استقرار العملة في فترة الكساد العظيم في التراجع إلا بعد أن انحاز فرانكلين روزفلت إلى كبار مسؤوليه من المؤيدين للعولمة.
وخلال النصف الأول من القرن الـ20، نظرت المملكة المتحدة في ثلاث رؤى اقتصادية عالمية متنافسة. أكدت الرؤية الأولى على العمالة الكاملة، وهو ما يتطلب سياسات معاكسة للتقلبات الدورية، والمخزونات الاحتياطية الدولية للحفاظ على استقرار الطلب والأسعار، والأشغال العامة التي يتم تمويلها من قبل البنك الدولي للإنشاء والتعمير "ذراع الإقراض التابع للبنك الدولي" لتعويض تقلبات سوق العمل.
أما الرؤية الثانية، فقد ركزت على منطقة الجنيه الاسترليني، متصورة عالما منقسما بين الدولار الأمريكي والجنيه الاسترليني، حيث تحافظ المملكة المتحدة على الأفضليات الإمبراطورية وتتطلع إلى إفريقيا باعتبارها سوقا متنامية. وفي قلب المنظور الثالث نجد العلاقة الأنجلو ـ أمريكية، التي تشير إلى أن بريطانيا لا ينبغي لها أن تنحاز إلى إمبراطوريتها ولا إلى أوروبا، بل ينبغي لها أن تتعاون بدلا من ذلك مع الولايات المتحدة، في إطار اقتصاد قائم على الدولار. تعكس السياسة البريطانية المعاصرة هذه المناقشات، حيث يناقش المسؤولون ما إذا كان ينبغي تعزيز العلاقات مع أوروبا، الثروة المشتركة "كجزء من استراتيجيتها في التعامل مع منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، أو مع الولايات المتحدة.
في كل عصر يتم استكشافه، يقدم داونتون للقراء نسيجا غنيا من الأفكار المتنافسة، ما يؤكد على التحدي المتمثل في صياغة اتفاقيات متعددة الأطراف بين العشرات من الدول، لكل منها نزاعاتها الداخلية الخاصة. كما لاحظ داونتون، أننا نجد أنفسنا مرة أخرى في عصر يتسم بعدم اليقين والجدال حول بنية الاقتصاد السياسي العالمي.
على مدى الأعوام الـ 30 الماضية، في الأغلب ما تم الخلط بين التعاون الدولي والعولمة، وتحرير الأسواق، وإلغاء القيود التنظيمية، والتخصيص، وتدفقات رأس المال. ومع ذلك، تتسم المناقشات المحلية والدولية القائمة بقضايا أخرى، بما في ذلك جودة الوظائف والرفاهية الاجتماعية، وتغير المناخ، والتداعيات الجيوستراتيجية المترتبة على سلاسل التوريد العالمية، والمنافسة التكنولوجية المدفوعة باعتبارات الأمن القومي، والتطبيع المتزايد للعقوبات والحرب الاقتصادية.
رغم تعارض هذه الأولويات مع التعاون الميسر للعولمة الذي يصفه داونتون، فإن الاتفاقيات والمؤسسات التي تم تشكيلها على مدى القرن الماضي تمكننا من تحقيق شكل جديد ومختلف من أشكال التعاون. وقام صناع السياسات وممثلو المنظمات الدولية الذين حضروا اجتماعات مراكش بدراسة التحديات المحلية والدولية، ما سمح لهم باستكشاف حلول تعاونية وإبراز اهتمامات ومشاغل الدول الأعضاء خلال المفاوضات.
على الرغم من أن هذه العملية قد تبدو غير فعالة وشاقة، إلا أنها تظل تشكل ضرورة أساسية لعالم يقدر سيادة الدول ويعزز التعاون الدولي. وفي حين يسلط كتاب داونتون الضوء على عقبات عديدة التي تواجه مثل هذه الجهود، فإنه يبرز أيضا الطرق العديدة التي يمكن من خلالها إنشاء نظام دولي فعال.

خاص بـ «الاقتصادية» بروجيكت سنديكيت، 2023.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي