السياسات الاقتصادية العالمية .. خطوة إلى الوراء!

يعد وقوف واضعي السياسات الاقتصادية أمام معدل نمو اقتصادي متباطئ وأسعار فائدة مرتفعة، مضافاً إليه معدل تضخم يميل إلى الصعود أكثر منه إلى التراجع، تؤكّد التجارب أنّه من أصعب المواقف، ويزداد التحدّي بدرجةٍ أكبر أثناء المرحلة التي قد تشهد تصاعدا لمعدل البطالة، وارتفاعاً للمخاطر الخارجية جرّاء تباطؤ النمو والتجارة العالميين، نتيجةً لزيادة الاضطرابات الجيوسياسية من جانبٍ رئيسي، ومن جانبٍ آخر تصاعد وتيرة الحروب التجارية بين الاقتصادات الأكبر عالمياً، وأخذاً في الحسبان ما بينهما من زيادة حدّة تقلبات الأسواق العالمية تأثّراً بتلك العوامل الأساسية.

وبالحديث عن السياسات الاقتصادية عموماً هنا؛ فالأمر يتضمّن الحديث عن السياسات المالية والنقدية بشكلٍ تفصيلي، وتحرّكاتهما بين توجهاتٍ توسعية تستهدف تحفيز الاقتصاد الكلي، بما يحمله من زيادة الإنفاق العام على المشاريع الرأسمالية وخفض تكلفة التمويل، وأهمية ذلك في دفع أغلب نشاطات الاقتصاد نحو مزيدٍ من النمو، والأثر الإيجابي لذلك في خفض معدل البطالة، إلا أنّه يقابله في الطرف النقيض محددات المحافظة على الاستقرار المالي للمالية العامّة، وحمايتها من ارتفاع العجز المالي والدين العام، إضافةً إلى المحافظة على استقرار الأسعار ومحاربة التضخم، وهنا يأتي التركيز على البحث عن نقطة التوازن المثالية، التي تستهدف تحقيق الهدف الأول من المعادلة، وتتجنّب كهدفٍ ثانٍ الوقوع في مخاطر عدم الاستقرار المالي وارتفاع العجز والدين والتضخم والبطالة.

قد يظن البعض أنّ القصّة تقف عند كل ما تقدّم ذكره أعلاه! في الوقت الذي يجب التأكيد فيه على أنّ القصة فقط تبدأ مما ذكر أعلاه، وما صرّح به رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في آخر لقاءاته إبّان إقرار الفيدرالي لتثبيت أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، من أنّ المستقبل يشوبه عدم اليقين نتيجةً للمتغيرات الراهنة، وما تحمله من تسارع المواجهة التجارية الساخنة بين الولايات المتحدة وبقية الاقتصادات العالمية الكبرى، وعدم القدرة على تحديد الآثار المتوقعة لتلك المواجهة التجارية عالمياً في كلٍ من النمو الاقتصادي والتضخم، واحتمال امتداد مخاطرها إلى أسواق العمل والأسواق المالية حول العالم، وما لذلك من آثارٍ غير مباشرة في موازنات الحكومات والقطاعات التمويلية، يظل عائقاً كبيراً أمام البنوك المركزية حول العالم، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إضافةً إلى الماليات العامّة للدول حول العالم.

كل هذا يعني في حقيقته وقوف واضعي السياسات المالية والنقدية على حدٍّ سواء تحت ضغوطٍ غير محدودة الآفاق بالنسبة إليهم خلال الفترة الراهنة، وما التصريح بأكثر من مرةٍ أثناء إجابات رئيس أكبر بنك مركزي في العالم لمراسلي الوكالات الإعلامية بعدم اليقين وعدم وضوح الرؤية المستقبلية لما يجري الآن من تطوراتٍ ومتغيراتٍ على المستويات كافّة، إلا دليل قوي على صعوبة الموقف الذي يقف عليه واضعو السياسات الاقتصادية عموماً، وأنّ الاحتفاظ بالقرارات المالية والنقدية التي تمّ اتخاذها سابقاً قد يكون الخيار الأنسب، على الرغم من اختلاف أوضاع الاقتصادات والأسواق سابقاً عمّا عليه خلال الفترة الراهنة.

ختاماً؛ يشير المشهد الراهن عالمياً، إلى أنّ مراكز اتخاذ القرارات المالية والنقدية حول العالم ستقف في منطقة "ردة الفعل" ترقباً لما ستسفر عنه التطورات الراهنة، وهو موقفٌ دفاعي أكثر منه هجوميا، ويعني أيضاً تراجع تلك المراكز عن صناعتها لاتجاه الاقتصادات والأسواق، وهو الأمر غير المعتاد عبر تاريخ الاقتصاد العالمي، ولهذا دلالاته العديدة التي ليس "عدم وضوح المستقبل" أمام تلك المراكز إلا أحد نقاط ضعفه، والدلالة الأخرى الأكثر أهمية أو مخاطرة، أنّ التدخل في صناعة أو تحديد اتجاه الاقتصادات والأسواق تقع قوته الأكبر في يدٍ أخرى غير تلك المراكز المالية والنقدية، وهنا ترتفع درجة الحذر من الجميع، ليبقى الرهان على ماذا سيتم اتخاذه من تلك المراكز أمام أيٍّ من الاحتمالات القادمة اقتصادياً ومالياً حول العالم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي