الشمول المالي إلى آخر مليار

في أبسط مستوياته، يتمثل هدف التنمية الاقتصادية في استئصال الفقر. على هذا المقياس، تحقق تقدم كبير: فقد انخفض عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع من 1.9 مليار نسمة في 1990 إلى ما يقدر بنحو 615 مليون شخص اليوم، ويرجع هذا بدرجة كبيرة إلى النمو الاقتصادي الفائق في أكثر بلدان العالم اكتظاظا بالسكان في آسيا. لكن كما يقال إن الأميال الأخيرة من سباق الماراثون هي الأصعب، فإن التقدم المحرز حتى الآن غير كاف لنقل جهود مكافحة الفقر إلى خط النهاية. ولأن النمو السكاني الأسرع يحدث الآن في بلدان حيث لا يزال الفقر ضاربا بجذوره عميقا، ولأن محرك العولمة لم يعد بالقوة التي كان عليها في السابق، فمن غير المرجح أن يكون النمو وحده كافيا. علاوة على ذلك، يشكل الإفلات من براثن الفقر مجرد خطوة واحدة نحو الرخاء الحقيقي.
وهنا، من الممكن أن يساعدنا الشمول المالي، لأن الفقر لا يدور فقط حول مقدار ما يكسبه المرء. بل يتعلق بما يمكنه أن يشتريه بأرباحه. وعلى هذا فإن خفض تكلفة السلع والخدمات، وبالتالي جعلها في متناول من لا يملكون إلا القليل، كفيل بخفض الفقر. في حين توفر حكومات الاقتصادات المتقدمة الخدمات الأساسية غالبا، فإن هذه ليست الحال في بلدان الجنوب، حيث المنافع محدودة النطاق. في كثير من بلدان الجنوب العالمي، تكون تكلفة السلع والخدمات الأساسية التي يتحملها الفقراء أكبر في بعض الأحيان، والوصول إلى هذه الشريحة من المجتمع أكثر تكلفة في أغلب الأحيان لأنهم لا يشترون سوى كميات صغيرة من المنتجات.
كان أفقر مليار شخص، الذين ينفقون أقل من 5 دولارات في اليوم، مستبعدين عادة من الخدمات المالية ــ حيث كانت حياتهم الاقتصادية مبنية فقط على المدفوعات النقدية. لكن على مدار العقد الماضي، حدثت ثورة صامتة في مجال الأموال المتنقلة والمدفوعات الرقمية، خاصة في الهند وبلدان إفريقيا. نتيجة لهذا، أصبح بإمكان أكثر من ثلث أفقر مليار شخص بالغ في العالم الآن الوصول إلى الخدمات المالية.
كانت هذه المكاسب مدفوعة بالتفاعل بين تأثير النمو والدخل، الذي بفعله تجاوز عدد أكبر من الناس عتبات الدخل التي تجعلهم "قابلين للتعامل المصرفي"، وتأثير الأسعار، الذي بفعله انخفضت تكلفة تقديم الخدمات المالية إلى غير المتعاملين مع البنوك.
في 2015، كان نحو 3.4 مليار شخص قادرين على الوصول إلى الخدمات المالية. في ذلك الحين، كانت "نقطة السعر" لدخول النظام المالي (تبعا لتعادل القوة الشرائية لعام 2017) نحو 8 دولارات في اليوم. وكان هذا يستبعد ملياري شخص ــ ما يقرب من 40% من سكان العالم البالغين في ذلك الوقت.
وعلى مدار العقد الماضي، أفضى النمو الاقتصادي إلى ظهور طبقة متوسطة عالمية أكبر. في الوقت ذاته، انخفضت عتبة تكلفة الوصول إلى الخدمات المالية بشكل كبير، وذلك بسبب إبداعات تكنولوجية مثل الأموال المتنقلة والخدمات المصرفية الرقمية.
بفضل الجمع بين هاتين القوتين تمكن 1.4 مليار شخص إضافي ــ نحو 800 مليون شخص نتيجة لتأثير نمو الدخل، و600 مليون شخص آخرين نتيجة لتأثير الأسعار ــ من الوصول إلى الخدمات المالية منذ عام 2015.
وانخفض متوسط العتبة العالمية لدخول النظام المالي إلى 5 دولارات في اليوم. بفضل انخفاض عائق الدخول، الذي يعكس تأثير أنظمة الأموال الرقمية، تحسنت جهود إدماج الفقراء بدرجة كبيرة. وبين البلدان الأفضل أداء، خاصة في إفريقيا، أصبح من الممكن تقديم الخدمات المالية عند نقطة سعر دولارين يوميا ــ أي أقل من خط الفقر المدقع الذي يبلغ 2.15 دولار في اليوم.
يثبت التقدم المحرز على مدار العقد الماضي أن الشمول المالي من الممكن أن يتحقق بالاستعانة بالمزيج الصحيح من الإبداع، والاستثمار، والتعاون. والآن، ونحن نقترب من الميل الأخير في معركة مكافحة الفقر، يتعين علينا أن نركز على جلب المجتمعات الأكثر تهميشا إلى الحظيرة المالية.

خاص بـ "الاقتصادية"

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2025.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي