المديونيات العربية والناتج المحلي

كان طبيعيا ارتفاع حجم المديونية الخارجية الإجمالية للبلدان العربية في العام الماضي، وذلك لأسباب عديدة، أهمها انخفاض معدلات النمو، بل انكماش بعض الاقتصادات العربية ولا سيما تلك التي تشهد اضطرابات وحروبا، يضاف إلى ذلك، أن بلدانا أخرى أقدمت على الاقتراض عن طريق طرح سندات، خصوصا الدول الخليجية التي تقوم بإعادة هيكلة اقتصاداتها في أعقاب انهيار أسعار النفط. وليس متوقعا أن تتوقف المديونية العربية عند الحدود التي وصلت إليها. بحسب المؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، بلغت ديون 20 دولة عربية قرابة التريليون دولار، وتوقعت أن يصل الناتج المحلي الإجمالي لها في العام الجديد إلى 2670 مليار دولار، علما بأن الزيادات في المديونية قفزت بمعدلات كبيرة في الأعوام الثلاثة الماضية.
وبالطبع تدخل كل إصدارات سندات الدين في إطار تمويل العجز في الموازنات العامة، وهي كبيرة في معظم البلدان العربية، ورغم أن الناتج المحلي الإجمالي تراجع في عام 2016 بحدود ملياري دولار، إلا أنه لا يعتبر انخفاضا كبيرا نسبة لإجمالي الناتج. فقد تأثرت جميع الدول تقريبا بانخفاض أسعار النفط، كما كانت تتأثر منذ عدة سنوات بالاضطراب الحاصل على صعيد الاقتصاد العالمي، يضاف إلى ذلك عدم وضوح الرؤية بما يكفي لهذا الاقتصاد حتى في البلدان المتقدمة، علما بأنها تتصدر قائمة الدول الأكثر مديونية على الإطلاق. فعلى سبيل المثال، يتجاوز الدين العام الياباني ناتج البلاد مرة ونصف المرة، وتصل ديون بريطانيا إلى 100 في المائة تقريبا من ناتجها، أما في الولايات المتحدة، فهي تعيش بمديونية هائلة منذ عقود.
لكن هذا لا يعفي بعض البلدان العربية من المخاطر الناجمة عن ارتفاع المديونية الخارجية والمحلية لها، خصوصا تلك التي تواجه متاعب اقتصادية مختلفة، ولا تستند إلى أساس اقتصادي آمن. ووفق صندوق النقد الدولي، فإن هناك عشر دول عربية تمضي قدما في حدود آمنة اقتصاديا، والسبب أن ديونها تتساوى مع 50 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي. بينما هناك سبع دول تراوح ديونها بين 50 و90 في المائة من ناتجها. وتدخل بلدان الخليج في النطاق الأول من الديون، أي أنها في الحدود الآمنة التي وضعتها المؤسسات الاقتصادية الدولية. ما يعني أنها قادرة على المضي في تغطية العجز في موازناتها عن طريق الاقتراض وإصدار سندات الدين التقليدية المعروفة.
وفي الواقع، عادة ما يكون الاقتراض أقل تكلفة من الضخ من الاحتياطيات التي تملكها الدول، ولهذا السبب، تجد دولا تمتلك احتياطيات كبيرة تعتمد نظام الاقتراض للتغطية. المهم في هذا الأمر، ألا ينخفض الناتج المحلي بصورة مقلقة. علما بأن التقديرات تشير إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لـ 20 بلدا عربيا سيرتفع في عام 2017 بحدود 207 مليارات دولار ليصل إلى 2670 مليارا. وعلى صعيد المملكة، فإنها من البلدان التي تدخل ضمن إطار الحدود الآمنة، لأسباب عديدة، أهمها، أن الثقة باقتصادها لم تتزعزع، رغم التحولات الاقتصادية الناجمة عن تراجع كبير في عوائد النفط، يضاف إلى ذلك خططها الاستراتيجية الراهنة، التي تستند إلى مزيد من تنويع مصادر الدخل، وجذب مستويات عالية من الاستثمارات الأجنبية، ودفع القطاع الخاص إلى مقدمة المشهد الاقتصادي العام.
على كل حال، ستكون هناك مديونيات جديدة في العام الجديد على الساحة العربية، ولا يبدو أن البلدان الواقعة خارج "الحدود الآمنة" ستدخل هذه المنطقة، على الأقل لهذا العام.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي