التنمية و«الفوضى المنظمة»
لا نختلف في أن كل مؤسسة حكومية لديها أنظمتها وإجراءاتها الإدارية والمالية والفنية، وكل إدارة أو مؤسسة أو جهة حكومية تعمل وفقا لميزانيتها الخاصة بها أو بالجهات أو الشركات المرتبطة بها، وكل مؤسسة حكومية وما يرتبط بها تضع الخطط لاستثمار واستغلال تلك الميزانية السنوية لتنفيذ مشاريعها، الكل يعمل وفقا للميزانية والخطة التي يضعها. وهنا يأتي السؤال المهم وهو: أين الخلل في عملنا؟ ولماذا نعيش حالة من الفوضى التنموية ولا نحقق ما نرجوه من مشاريعنا؟ هذا على فرضية أن كل مشاريعنا تنفذ بأفضل المستويات والإنجاز، هذه الفوضى التنموية سببها غياب الرؤية والإدارة الموحدة للجهود المشتركة بين مختلف الشركاء التنمويين، ولهذا يطلق على جهودنا التنموية الفوضى المنظمة، منظمة لأن كل جهة لديها خططها وبرامجها وأعمالها، وفوضى لأن كلا يغني على ليلاه، بمعنى كل جهاز يعمل بعيدا عن التنسيق مع الأجهزة الأخرى، ومن هنا تأتي الفوضى، حتى إن عديدا من المشاريع المهمة والحيوية يتم تنفيذها دون التنسيق مع الجهات الأخرى التي ستقدم الدعم لها مثل الطرق والكهرباء والماء والصرف الصحي وغيرها، بل إن بعض تلك المشاريع تأخر تشغيلها سنوات بسبب غياب الرؤية المشتركة والتنسيق الإداري بينها، حتى إن مشاريعنا الحالية التي يتم تنفيذها بشكل منفرد ربما تفقدها بسبب الفوضى المنظمة، ومن ذلك مثلا مشاريع الصرف الصحي التي تكلف مليارات الريالات إذا لم يواكب تنفيذها بشبكات تصريف السيول والأمطار، فإن هذه الأخيرة ستؤدي إلى سد محطات معالجة الصرف الصحي عندما تتدفق مياه الأمطار والسيول إلى تلك المحطات لاختلاف أسلوب المعالجة وارتفاع تكاليف محطات الصرف الصحي، مما يؤدي إلى تدميرها إذا دخلتها الأتربة والمخلفات المنقولة مع مياه السيول والأمطار.
التنمية تحمل الكثير من المفاهيم، وهنا يبرز مفهوم في غاية الأهمية وهو تحقيق الرؤية الإدارية والفنية المشتركة من خلال إدارات تكون مسؤولة عن التنسيق بين مختلف القطاعات الحكومية والاقتصادية ومشاريعها، حيث يتم وضع برامج للمشاريع وتحديد الميزانيات الخاصة بها ليس وفقا لما تراه هذه الجهة أو تلك، أو وفقا لما يمكن اعتماده في الميزانية ولكن وفقا لمتطلب تنموي متكامل توضع له خطة تنموية خمسية أو عشرية أو أكثر يتم من خلالها تحقيق التنمية الإدارية الأفقية والرأسية، الرأسية الممثلة للجهات الحكومية وما يرتبط بها من شركات وهيئات ومؤسسات توافقية لما تمثله من إدارة رابطة بين مختلف الإدارات الرأسية، حيث يتحقق التكامل والتنسيق الإداري ونعظم الفائدة من مشاريعنا وما نصرفه عليها من ملايين الريالات التي إذا سلمت من السرقة لم تسلم من سوء الأداء وإذا سلمت منه لم تسلم من غياب التكامل التنموي، مما يؤدي إلى تأخير الاستفادة منها أو عدم الاستفادة منها أبدا.
الإدارة الأفقية هنا ستكون الضامن - بعد الله سبحانه وتعالى - في تحقيق التنسيق بين مختلف الإدارات الحكومية والراصد والمراقب لأدائها وحسن عملها، كما أنها قادرة على معالجه التداخلات الإدارية والقرارات المتضاربة التي تؤدي إلى عديد من الانعكاسات التنموية المتراكمة، ولعل أحسن مثال يمكن الإشارة إليه هنا هو تداخل بعض الأنظمة والتعليمات مع بعضها بعضا التي عند تطبيقها تتضح الفجوة بينها واستغلالها من قبل أصحاب المصالح الخاصة ومن يدور في فلكهم وتوقع بعض المعنيين عند تطبيقها في حيرة من أمرهم، فعند الرغبة في تملك موقع لا تحتاج إلا لشاهدين في الغالب يؤكدان أنك قمت بإحياء الأرض بغض النظر عن موقعها حتى ولو كان الموقع ضمن ما يمنع التملك أو البناء فيه، ثم بعد التملك لا يجيز النظام منع المالك من التصرف في ملكه إلا بنظام نزع الملكية مع توفر مبالغه، ثم من جهة أخرى، يمنع الاعتداء على الأراضي والبناء دون تملك ويقابله نظام يسمح بإيصال الخدمات ومنها الكهرباء للمساكن غير المملوكة أراضيها.
إذا عندنا أنظمة ولكنها متداخلة ومتعارضة وتعمل وفقا لنظام الإدارة الراسية التي لا تربطها إدارة أفقية تحكمها وتوجهها بما يضمن حسن الاستغلال والاستثمار لكل الإمكانات والمشاريع الخدمية والتنموية.
ارتباط الإدارة الرأسية بالإدارة الأفقية سيجعلنا جميعا نرى خير ميزانيات الدولة وانعكاسها الإيجابي على كل بيت في السعودية، وهنا لن نسمع بعد ذلك شكوى المواطن عندما يقول مع هذه الميزانيات الكبيرة لا أرى خيرها يمر بي أو من أمام باب بيتي.. وللموضوع بقية.
وقفة تأمل:
أصالة الرأي صانتني عن الخطل
وحلية الفضل زانتني لدى العطل
حبُ السلامةِ يثني هم صاحبهِ
عن المعالي و يغري المرء بالكسلِ
أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
غالى بنفسي عرفاني بقيمتها
فصنتها عن رخيص القدر مبتذل
قد رشحوك لأمر إن فطنت له
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل