ما بين الأحمر والأخضر .. رحنا في "خرخر"
<a href="mailto:[email protected]">nsabhan@hotmail.com</a>
قديما قيل شر البلية ما يضحك, وفي هذه الأيام ليست هناك بلية أشد من بلية الأسهم التي ارتفعت بنا إلى هام سحب الثروة ثم حطت بنا كجلمود صخر على قاع صفصف من خسائر لا ذنب لنا فيها ولا جريرة إلا بأن صدقنا اخضرار المؤشر المستمر, وأن السوق من أحسن إلى أحسن, وما يضحك في بلوانا "السهمية" هذه أننا ونحن نتغنى بالأخضر, المؤشر وليس المنتخب، كان هناك من يتربص بنا ويهتف لنا ونحن نتكوم في صالات البنوك نشتري ونشتري ـ ومن باب الفنجرة والعنطزة ـ نشتري بسعر السوق دون أن ندري أننا نستدرج إلى فخ سوف نهوي فيه دون أن يسمي علينا أحد، الجهة الوحيدة التي ضحكت ملء شدقيها دون أن تشاركنا البلوى هي بنوكنا الوطنية جدا.. جدا!! زادها الله من خيره وجعل في عين كل حسود لما تحققه من أرباح ألف عود وعود، فبنوكنا زادها الله غنى لم تغفل عنا طرفة عين ولم تتركنا نحتار في البحث عن زيادة فلوس نكوم فيها مزيدا من الأسهم المخضرة دوما, فجاءت بما كنا نظنه ابتسامة بريئة دون أن ندرك أن الليث حين يبرز أنيابه لا يعني أنه يبتسم، المهم سارعت البنوك بعرض إغراءاتها بتقديم قروض حددت الاستفادة منها في شراء الأسهم، ولأن الدنيا ليس فيها أمان خصوصا عندما يكون الأمر مرتبطا بالأموال فقد اشترطت البنوك, جزاها الله كل خير، شرطا صغيرا ليس فيه تخوين ولا عدم ثقة!! ولكنه فقط حفظ للحقوق وهو ما لا يغضب ولا يزعل، وهذا الشرط أن تقوم البنوك ببيع الأسهم المشتراة بقروضها لحظة ملاحظة البنك نزولها لنقطة الخسارة دون استشارة العميل أو حتى إبلاغه من باب العلم فقط, والشرط عقيدة المتعاقدين، وعندها تكشر البنوك عن أنيابها وليس ابتساماتها وتنهش المحفظة بسرعة وتترك العميل يضرب كفا بكف إن توقف الأمر عند خسارة المحفظة فقط, ولطم الخدود حين يبلغ بلايا حبيبي أنت عليك مديونية عليك تسديدها، ولا تسأل لا كيف ولا متى فأنت موقع على ذلك؟ والمحير فعلا أن صناديق المتاجرة بالأسهم التي تديرها البنوك تهاوت أسعار وحداتها كأوراق الخريف الصفراء، ومرد الحيرة هنا أن الخسارة لم تشمل البنوك بل خصت العميل وحده, ودليلي على ذلك أنه في الوقت الذي يخسر فيه الجميع تزداد مكاسب البنوك, فهل البنوك تمارس المتاجرة بالسحر أم على طريقة الحواة..؟
الصورة السابقة صورة كئيبة ولا شك, ففعلا ما بين اخضرار المؤشر الدائم وهو ما أغرى الجميع تقريبا للدخول إلى سوق الأسهم وبعض منهم وضع كل ما يملك وما لا يملك فيه دون وضع أي احتمال لهبوط السوق، وبين احمراره المستمر حتى فقد أكثر من 40 في المائة من قيمته رحنا في "خرخر", ولست في حاجة إلى تفسير المقصود بـ "الخرخر" فالجميع يعرفها، وتسأل الجميع ما الذي حدث ويحدث ..؟ قيل وقتها إن الأمر مجرد تصحيح بسيط تارة, وتارة أخرى قيل إنه جني أرباح فقط سرعان ما يعود فيه الاخضرار الجميل إلى مؤشرنا الواعد, وحينما وقعت الفأس في الرأس وتدهور المؤشر من أكثر من 20 ألف نقطة حتى تأرجح ما بين العشرة آلاف نقطة وقريبا من التسعة آلاف أدرك الناس أن الأمر ليس مجرد تصحيح ولا جني أرباح بقدر ما هو كارثة مالية حلت بهم, وأخذ الجميع يتساءلون ويستفسرون ويحللون دون أن نجد الإجابة الشافية الوافية، الشيء الوحيد الذي تيقنا منه هو أن فيه حاجة غلط, وبدأنا نبحث أين يكون هذا الغلط؟
وكان الغلط وما زال في كثير من الأنظمة واللوائح التي وضعتها مؤسسة النقد ولم يستفد منها إلا البنوك وحدها, ومنها احتكار البنوك لتداول الأسهم، وإطلاق يدها في وضع العقود والشروط بما يخدمها وحدها حتى ولو كان على حساب تضرر المتعاملين معها, وإعطائها كامل الحرية في فرض نسب العملات العالية والمبالغ فيها! وإلى جانب ذلك تعاسة الخدمات التي تقدمها البنوك المحتكرة لكل تعاملات السوق من ألفه إلى يائه, مثل تعطل نظام التداول الدائم, وتأخر التنفيذ لعدم تحديث وتجديد شبكاتها مع أن البنوك تحقق ما بين 30 و70 في المائة من أرباحها من عمولات التداول.
هذا تصوير لواقع نخوض في وحله جميعا, ومع مرارته وسلبيته إلا أنه واقع مؤقت وليس دائما، لأنه حالة استثنائية تتعارض مع قوة اقتصادنا ومتانته، ولأن الإنسان هلوع بطبعه فقد ساورته الشكوك والظنون وقادته للشعور باليأس، وهذا كله ليس صحيحا، فكل المؤشرات الاقتصادية والسياسية والأمنية الجيدة جدا تعكس مؤشرات إيجابية وتؤكد أن المستقبل يبشر بكل خير, خصوصا وقد لاحظ الجميع تحسس القيادة لما أصاب الناس واهتمامها كما عكست ذلك قرارات خادم الحرمين الشريفين, وفقه الله، الخيرة المتلاحقة، وبعكس ما هو سائد من تشاؤم لدى البعض فإني مع البعض الآخر المتفائل وبقوة، فما حدث لسوق الأسهم طارئ وليس دائما، وستعود الأمور إلى أفضل مما كانت, ولكن بتؤدة ومعقولية وليس بقفزات سريعة وعجلة، وهو ما سيجعل السوق أقوى وأمكن ثباتا, خصوصا إذا ما عولجت كل المسببات السلبية وعلى رأسها تعاملات البنوك.