في مسألة الفساد .. لماذا يحدث .. ؟

[email protected]

كشف وزير الصحة الدكتور حمد المانع عن الإمساك بموظفين قاموا ببيع أدوية تابعة لوزارة الصحة لحسابهم كحالة من حالات الفساد الفاضحة، يفتح الباب واسعا لمناقشة وضع الفساد الإداري والمالي وعدم أخذ الأمر على أنه مجرد حالة فردية ومحدودة مع التسليم يقينا أنه لم يصل بعد إلى حد الظاهرة الواسعة. هذه الواقعة تدفع لسؤال مهم وهو: كيف ولماذا يحدث الفساد .. ؟ وهذا يقودنا مباشرة لإلقاء الضوء على الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد، التي اعتمدها مجلس الوزراء الموقر أخيرا والمرفوعة من وزير الداخلية، التي انبثق عنها تشكيل هيئة لهذا الغرض.
بداية لا بد من القول إن الفساد ماليا كان أو إداريا هو مشكلة عالمية تعانيها كل دول العالم المتقدم منها والمتخلف، ولعله الصفة الوحيدة التي يتشارك فيها الجميع على مستوى العالم، إلا أن الفرق ما بين الدول المتقدمة وتلك المتخلفة في مسألة الفساد "والتخلف هنا لا يكون ماديا فقط، بل تخلف في وجود قوانين ومؤسسات تضبط دورة العمل والمسؤوليات" يكمن في أمرين جوهريين، الأول أنه في الدول المتقدمة التي تدير شؤونها وفق قوانين وأنظمة، يوجد فيها محاسبة دقيقة ومؤسسات حكومية وأهلية تتابع وتراقب وتحاسب، بحيث تضمن ألا يفلت المفسد من الحساب والعقاب مهما كان وضعه ومنصبه، وعكس ذلك في الدول المتخلفة التي تفتقد القوانين والأنظمة والمؤسسات الضابطة والضامنة، وإن وجد شيء من ذلك في بعضها فإنها تطبق بأسلوب انتقائي ودعائي لا يمس ما يعرف بـ "الرؤوس الكبيرة" التي كثيرا ما تكون محصنة من الحساب والعقاب بمنصبها أو بموقعها، ولهذا إذا أعلن عن حالة فساد لا تحاسب عليه إلا الرؤوس الصغيرة فقط وكأنها تعمل بمفردها وخارج متابعة رؤسائها ومسؤوليها الكبار، مع العلم أنه في مثل هذه الدول تكون المركزية هي المسيطرة والحاكمة، بحيث لا يستطيع الصغار ممارسة الفساد في غفلة عن نظر الكبار الذين يفترض بهم الإمساك بدفة العمل من الوارد للصادر، لهذا عندما يمسك برأس كبير في حالة فساد نفاذة يكتفى بجعله ينزوي عن الأنظار ساترا مستورا.
قلنا إن الفساد حالة عالمية، ونحن لسنا استثناء بحيث ندعي النزاهة الكاملة، في الوقت نفسه لا نريد أن نهول ونصور الفساد بأنه بات ظاهرة عامة بحيث تبقى النزاهة استثنائية، ولكن يبقى الفساد موجودا، بل متوقعا، خصوصا في ظل عدم وجود آليات نظامية ومؤسساتية يمكن لها أن تراقب وتتابع وتحول للمحاسبة، ففي حالة وزارة الصحة ـ وللتذكير فقد سبق قبل عام تقريبا أن كشف الدكتور المانع عن حالة رشوة لم تنجح ـ السؤال هو: كيف تمكن أولئك من بيع أدوية ملك للوزارة تدخل وتصرف بناء على إجراءات مستودعية ومالية وإدارية بهذه السهولة؟ فهل هم سذج إلى هذا الحد، أم يمثلون رأس جبل جليدي فقط؟ وهو ما يعيدنا لثنائية الرؤوس الكبيرة والصغيرة، وهنا لا نسوق اتهامات، ولكن نطرح تساؤلات قد توضح أخطاء وعيوبا إدارية ومحاسبية مكنت من حدوث مثل حالة الفساد هذه، فمع تقديرنا واحترامنا لإقدام وزير الصحة الدكتور حمد المانع على كشف الواقعة دون أن يلجأ لإخفاء الأمر وحصره داخل أروقة وزارته حتى لا تتهم جهته بالتسيب مثلا، وهي شجاعة منه ولا شك، نقول إنه ليس من السهولة قيام البعض بما قاموا به لو لم توجد ثغرات أمكن استغلالها، وهو ما يعني أن هناك مشكلة إدارية ونظامية تسهل من عمليات الفساد وتشجع ضعاف النفوس عليها، وهنا نسأل: هل هذه الثغرات موجودة فقط في وزارة الصحة دون غيرها؟
لا شك أن العزم على إنشاء هيئة لمحاربة الفساد لن يستثنى من حسابها أي شخص مهما كان، كما أعلن، هي خطوة رائدة ومهمة، إلا أن الحكم عليها لن يكون إلا من خلال آليتها وأنظمتها التي نأمل أن تأتي مغايرة لآلية ونظام ديوان المراقبة العامة الذي أقصى جهده متابعة الدوام اليومي للموظفين، والتصور لمهام هذه الهيئة المنتظرة هو تقصي منبع الفساد الإداري والمالي وليس الاكتفاء بوجهه الخارجي فقط، لأن المراد والهدف هو وضع أطر نظامية تحاصر الفساد ولا تجعله متاحا وميسرا لمن يغفو ضميره، وهنا نتوقف عند كلمة "فساد" التي تربط بالتواتر بالجانب المالي من رشوة وعمولة وغيرهما، والمال هو أكثر مجالات الفساد بلا شك، إلا أن الفساد الإداري لا يقل سوءا عن الفساد المالي، بل هو أشد ضررا كالمحسوبية والمركزية وإعطاء المسؤول كامل الصلاحية دونما حدود وهو ما يؤدي إلى التفرد في القرار وإدارة العمل وفق الأهواء الشخصية وحدها، ونحن مثلما نحتاج إلى حماية المال العام من الضياع وضعاف النفوس، في حاجة أيضا ضمن إطار الإصلاح إلى إصلاح نظامنا الإداري، بحيث نجعل المسؤول ضمن آلية العمل لا فوقها ومتسلطا عليها.
حينما نشير إلى الفساد وقرار إنشاء هيئة لمحاربته نقول إنها وليدة ملاحظة ذكية ومقياس عملي فعال لخادم الحرمين الشريفين، وفقه الله، كما ذكر عضو مجلس الشورى الدكتور طلال بكر لصحيفة "المدينة" في عدد 7 صفر 1428هـ أنه على الرغم من اعتماد آلاف المليارات للوزارات المختلفة، إلا أنه لم يلحظ لها أثرا على أرض الواقع، ما يشير إلى وجود خلل ما مالي وإداري تسبب في إهدار هذه المليارات، بمشاريع وهمية أو فاشلة أو متدنية النوعية نتيجة الأداء السلبي غير المتوافق مع الإمكانات الموفرة في كل القطاعات ومع التوجيهات الدائمة من ولاة الأمر لمزيد من الإنتاجية.
أخلص من ذلك إلى أن الفساد الإداري والمالي الذي أصر على أنه ليس ظاهرة هو نتيجة غياب آليات المراقبة والمتابعة والتقييم، ومتى ما توافرت مثل هذه الآليات سنضمن الأداء الجيد والإنتاجية الفعالة وتقليص مساحة القدرة على الفساد سواء الإداري منه أو المالي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي