الشعب الفلسطيني إذ يعلمنا فن الحياة
آية الصمود والإعجاز فيما يجري على الأراضي الفلسطينية ليس قوة السلاح، ولا الاستعداد للبذل والتضحية. إنها إرادة الإنسان المسلم ووعيه، ومن ثم إرادة ووعي مجتمع يمتلك الرغبة في الحياة والتفكير في البناء والتطوير على الصعد كافة، رغم الظروف التي لا يخطر على بال البعض تصورها وليس العيش تحت وطأتها.
منذ زمن ليس بالبعيد كان البعض يستهين بقدرات المجاهدين الفلسطينيين وما يعلن عن تطويرهم قدراتهم العسكرية، وبالذات في مجال المدى الذين يمكن أن تصله الصواريخ. مبعث الغرابة أن هؤلاء القوم ليس لديهم بنية تحتية من معامل وورش مجهزة وتوفير سبل الاستقرار للعنصر البشري الذي يقوم بعملية التطوير، كما أنهم يفتقدون الأدوات والخبرات بحكم رصوفهم تحت أغلال الحصار الخانق، لكن الشاهد أثبت الحقيقة الراسخة، فمن يمتلك الرغبة والعزيمة والإصرار، ومن يجمع بين سلاح التوكل على ربه والثقة به وبين الجد والاجتهاد والأخذ بكل الأسباب لا بد أن يدرك حظوظ النجاح ومقادير التوفيق. حضور وفاعلية الإنجاز الفلسطيني أقرّ بها العدو الصهيوني ذاته، وقد انتابته الدهشة من تلك الرغبة الفولاذية للشعب الفلسطيني على الصمود وتطوير القدرات والبناء والتشييد والتغلب على جميع الصعاب وتجاوز كل ظروف الحياة القاسية. أليس غريباً أن يتقدم الفلسطينيون، رغم أنهم يخوضون معركة تشهد اختلالا في الموازين بكل المقاييس، ورغم الضعف العربي والإسلامي؟ وأليس غريباً أيضاً أن هذا الشعب يبني ويطور ليس فقط في أدوات وساحات القتال، بل في كل ميادين الحياة وساحات العمران؟
لقد استثمر أبناء الشعب الفلسطيني ما بحوزتهم من إمكانات متواضعة، ولم تفت محدودية الإمكانات في عضدهم أو تدفعهم نحو اليأس والقنوط، فتسلحوا بالرغبة العارمة في الجمع الرائع بين الرغبة في الحياة والقدرة على الاستشهاد.
لقد أثبتت هذه التجربة أن العالم العربي والإسلامي يمتلك القدرات والأدوات التي تؤهله لولوج طريق الريادة والإبداع والإنجاز الحضاري على كل الصعد. وما يميز العالم العربي والإسلامي توفره على ما هو أهم من الموارد ـ وهي متوافرة على كل حال ـ ألا وهو العنصر البشري الذي يتزود بعقيدة إيمانية تدفعه إلى الاجتهاد والمثابرة والعمل الدؤوب، وهو إذ يفعل هذا ينطلق من يقين أن العمل والاجتهاد وعمارة الكون واجب تحتمه تعاليم الإسلام التي لا تبغض شيء قدر بغضها للكسل والقعود والتواكل.
الشعب الفلسطيني لم يعطينا دروساً في فن الموت، كما يتوهم البعض، الشعب الفلسطيني أعطانا دروساً في التشبث بالحياة والقدرة على البناء وتجاوز كل الصعاب وعدم الرضوخ لمقولات التيئيس المتهافتة.