مرورنا في عهد نظام و"ساهر"
تزامن الإعلان عن نظام المرور الجديد مع الإعلان عن مشروع "ساهر" والخاص بضبط حركة المرور ورصد المخالفات إلكترونيا من خلال آلات تصوير دقيقة، وهذا التزامن ما بين نظام مخالفات وعقوبات ومشروع رصد وضبط إلكتروني، أعطى الأمل أخيرا بإيجاد حل لمعضلة الفوضى المرورية المزمنة في شوارعنا عموما، فهذا النظام والذي جاء مفصلا وغطى كل المخالفات بما فيها نادر الحدوث، نأمل أن يفرق في الغرامات والعقوبات حسب نوعية ودرجة خطورة المخالفات ما بين عادية وبسيطة لا تحتاج إلا إلى غرامة للتنبيه والتحذير، وأخرى خطرة وقاتلة كالسرعة المفرطة وقطع الإشارات وغيرها مما يحتاج إلى عقوبات وغرامات أشد.
من جانب مشروع "ساهر" الإلكتروني، يلفت النظر قيمته المالية الكبيرة، فقد بلغ ثمن هذا المشروع ملياري ريال سعودي، وهذا المبلغ الكبير للغاية يوضح، أو هكذا يفترض، أنه مشروع بالغ الدقة وعملي يملك إمكانيات خارقة سوف تحقق المعجزة المرورية المنتظرة، فآلة التصوير الواحدة سوف تكلف أكثر من مليونين و200 ألف ريال، وهذا يعني أنها آلة تصوير سوف تأتي بالعجائب والهوائل وقادرة على رصد كل صغيرة وكبيرة في شوارعنا وإرساء الانضباط المتقن بما يجعلها تبز نظامية وانضباطية شوارع مثل لندن وفرانكفورت وطوكيو، وتحل محل الفوضى المرورية العارمة التي ضربت بأطنابها منذ أن عرفنا السيارات وحتى اليوم، وتبشر بزوال وانتهاء عصر العبث المروري والتهور والانفلات المتسبب في تكبدنا خسائر بشرية ومادية مهولة، والذي كانت حصيلته منذ عام 1410هـ وحتى العام الماضي إصابة 611 ألف شخص و86 ألف متوفى وأن ما نسبته 85 في المائة من هذه الحوادث المرورية تعود لأخطاء بشرية، أو بعبارة أخرى تهور في القيادة وسرعة وقطع إشارات وغيرها حسب تصريح منسوب للمقدم علي الرشيدي ممثل الإدارة العامة للمرور، وتقول أيضا الإحصائيات المرورية إن الخسائر المالية في المملكة تبلغ 13 مليار ريال سنويا، وهو ما يضعنا على رأس قائمة الدول الأكثر تكلفة مرورية، وهو ما يعكس عمق المشكلة المرورية في بلادنا وتأزمها.
كل هذا جيد بل وممتاز، فقد بات لدينا نظام مخالفات وعقوبات مروري مفصل، ومشروع إلكتروني تكلفته عالية جدا للمراقبة والضبط بالمخالفة المشهودة والموثقة، ولكن هذا لا يكفي، فالعبرة بعد ذلك في التطبيق والذي هو الأهم في كلا النظامين، فإذا جاء التطبيق متوافقا ومكملا لهما، فسوف نصل للهدف الأكبر وهو ضبط المرور في شوارعنا، وحفظ أرواحنا وممتلكاتنا من نزغات العبث والاستهتار، والتطبيق لا يمكن أن يتم لنظام عقوبات وغرامات مفصل كهذا، واستثمار أمثل وإيجابي لنظام ضبط إلكتروني بكل هذه التكلفة الكبيرة والعالية جدا، إلا بكوادر مدربة ومؤهلة للتعامل وفق متطلباتهما، فلا ينفع معها أساليب قديمة وفكر قديم وذلك الخمول المتوارث، بل لابد من تدريب كوادر المرور التطبيقية لتكون قدراتهم وطرقهم وجديتهم متوافقة مع النظامين الجديدين المتكاملين، أما إن بقينا على نفس الأسلوب القديم "على جنب يا راعي الكابرس، وحرك يا صاحب الجمس"، وتدخل أصحاب الفزعة والمستنفعة، فعلى نظام العقوبات وملايين "ساهر" السلام، فمع تقديرنا الكامل لجهود كافة رجال المرور، إلا أننا نعتقد أن غالبية الجنود في حاجة فعلية إلى دورات ولو قصيرة للتدريب على التعامل ومعالجة كل الأوضاع المرورية بسلاسة ومهنية متقنة، وتوعية بأنهم يمثلون القدوة في تطبيق الأنظمة المرورية كالالتزام بها، لا الخروج عليها بدعوى أن قلم المرور مرفوع عنهم، وبحسن التعامل في تطبيق النظام كأن يحرص جندي المرور على النزول للمخالف وليس استدعاءه إليه وهو داخل السيارة، فهذا خطأ أمني أيضا، وهذا كله لا يكتمل إلا بشوارع مخططة ومزروعة بالعلامات المرشدة حتى لا تكون هناك حجة لأحد ممن يخالف بعدم العلم والمعرفة، والأهم من ذلك هو أن يحاسب كل من يتجاوز ويتخطى ذلك كأن يقف السائق في مكان معلم بممنوع الوقوف، وما أكثر ذلك في شوارعنا.
مشكلتنا المرورية ليست محصورة في ارتكاب أخطاء كسرعة وقطع إشارة وتجاوز خطر فقط، بل في ثقافة وسلوكيات مرورية سلبية استوثقت فينا ونحتاج فعلا إلى عمل صارم وجاد غير قابل للفزعة والتساهل والتوسط لتقويمها ومعالجتها، ومن أمثلتها التسابق على المرور، ففي حالات الاختناقات المرورية لأي سبب تجد السائقين يتصارعون على النفاذ ويختلط حابلهم بنابلهم وتتعالى أبواق السيارات وتتداخل في مشهد فوضوي، وأيضا في عدم احترام حق من هو ملتزم في المسار النظامي، فتجد من يأتي ويتقدم على الصفوف من خارج المسارات النظامية والسقوط عنوة على الآخرين وهو من المشاهد الشائعة عند كل إشارة ضوئية، والوقوف كيفما شئنا وأردنا طوليا أو عرضيا حتى ولو سددنا الطريق أو عطلنا الحركة وهو ما يشاهد عند الأسواق والمدارس والمطاعم والمقاهي والمحال التجارية، حيث يصبح الوقوف اعتباطيا وغير مهتم أو معني بحق الغير في المرور، وانشغال البعض بالحديث في الهاتف أو مع الراكب معه فينسى أو لا يكترث بأنه في طريق عام فتجده يسير ببطء شديد غير مهتم بأنه يعطل الحركة ويحجز من هو خلفه، وهذه السلوكيات والثقافة المرورية السلبية، هي أحد أهم مسببات مشاكلنا المرورية ومما تحتاج إلى تقويم وتعديل، أي أننا في أمس الحاجة إلى القيام بعملية واسعة لتغيير جوهر سلوكنا المروري ومظهره أيضاً.