وقفة متأنية مع ذاتك

يحتوي العالم على انطباعات وظروف وأحوال لا نهائية ولسنا قادرين إلا على استيعاب جزء ضئيل جدا منها، هو ذلك الجزء المصفى عبر تجاربنا وثقافتنا ولغتنا وحواسنا ومعتقداتنا واهتماماتنا وافتراضاتنا، ولذا فالعالم أغنى بكثير من الأفكار التي نحملها عنه وبتغيير هذا المرشح أو الفلتر الذي ندرك به العالم سيتغير هذا العالم من حولنا، لأن مشاعرنا ومواقفنا وتصرفاتنا ما هي إلا نتاج لأفكارنا التي نسجناها عبر مرشحاتنا الإدراكية، فمن ينشد الامتياز والتفاؤل والإيجابية سيواجه عديدا من الأحداث التي تدعم ذلك، ومن يبحث عن المشكلات سيجد الكثير منها.
إن لم تكن راضيا عن وضعك الحالي فلا بد لك من وقفة متأنية مع ذاتك لاستكشاف أهم القناعات والمعتقدات التي تحرك حياتك وتشدك للوراء، والبحث في أسبابها ونتائجها والتعرف على مصادرها، ثم التساؤل بصدق عن الثمن الذي ندفعه يوميا من حياتنا بسبب احتفاظنا بهذه القناعات؟ وما الذي يمكن أن يحصل لو استبدلناها بأفكار إيجابية؟ فهناك مفاهيم وجراثيم فكرية إن لم نعمل على التخلص منها فلن تتغير أوضاعنا، وما لم تتغير نظرتنا إلى أنفسنا والناس من حولنا فلن يتغير ما بنا، وهو تغيير نفسي داخلي من حالة العجز المكتسب من خلال بعض البرمجات السلبية من المحيط والأسرة والمجتمع إلى الشجاعة الإيجابية مع زيادة رصيدنا من احترام الذات، والانتقال من موقف الضحية وانتظار الكرامات إلى موقف المسؤولية الشجاعة، فعندما يتغير منظورنا للحياة يتغير الإطار الذي نضع فيه الأحداث، وعندما يتغير الإطار يتغير المعنى والشعور وبالتالي ستتغير استجاباتنا مع أن الحدث نفسه لم يتغير، ولذا فإعادة تأطير المشكلة علاج سحري يستخدمه الناجحون والمتفائلون بكثرة ويعني أن نضعها في إطار جديد يتغير فيه معناها دون تغير شيء من حقائقها ويترتب على ذلك اختلاف المشاعر والأفكار المرتبطة بهذه التجربة وتتغير آثارها من محبطة ومحزنة إلى محركة وسعيدة ، وفي ذلك صيانة كبيرة لصحتنا النفسية والجسدية ، وإن التصميم على اختيار المنظور الإيجابي للتعامل مع المواقف هو صفة الحكماء، مما يجعلني أختلف في الرأي مع المتنبي في شعره الذي يقول فيه:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وإن كان يريح بعض الناس أن يعزوا تعاستهم إلى عمق تفكيرهم فالحقيقة هي أن لها مصدرا مختلفا تماما!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي